دره ! أي فاعل هو ؟ وأي صابر هو ؟ اتخذ الصبر دثاراً ، والجود شعاراً وأهون عليه بهم ، قلت : فما تقول في المعلى بن أيوب ؟ قال : ذاك رجل خير ، نصيح السلطان ، عفيف اللسان ، سلم من القوم وسلموا منه ، قلت : فما تقول في إبراهيم بن رَباح ؟ قال : ذاك رجل أوثقه كرمه ، وأسلمه فضله ، وله دعاء لا يسلمه ، ورب لا يخذله ، وفوقه خليفة لا يظلمه ، قلت : فما تقول في الحسن ابنه ؟ قال : ذاك عود نُضار ، غرس في منابت الكرم ، حتى إذا اهتز حصدوه ، قلت : فما تقول في نجاح بن سلمة ؟ قال : لله دره ! أي طالب وِتْرٍ ، ومدرك ثأر ؟ يلتهب كأنه شعلة نار ، له من الخليفة في الأحيان جلسة تزيل نعماً ، وتحل نقماً ، قلت : يا أعرابي أين منزلك حتى آتيك ؟
قال : اللهم غَفراً ما لي منزل ، أنا أشتمل النهار ، وألتحف الليل ، فحيثما أدركني الرقاد رقدت ، قلت : فكيف رضاك عن أهل العسكر ؟ قال : لا أخلق وجهي بمسألتهم ، إن أعطوني لم أحمدهم ، وإن منعوني لم أذمهم ، وإني كما قال هذا الغلام الطائي :
وما أبالي وخَيْرُ القول أصدقُه
حَقَنْتَ لي ماء وجهي أو حقنت دمي
قلت : فأنا قائل هذا الشعر ، قال : أئنك أنت الطائي ؟ قلت : نعم ، قال : لله أبوك ، وأنت القائل :
ما جودُ كفِّكَ إن جادت وإن بخلت
من ماء وجهي وقد اخلقته عوض
قلت : نعم ، قال : أنت أشعر أهل زمانك .
وفي رواية أخرى ليست في الكتاب قلت : أنشدني شيئاً من شعرك ، فأنشدني :
أقول وجنح الدجى ملبَدُ
وللَّيْل في كل فج يَدُ
ونحن ضجيعان في مُجسَد
فلله ما ضُمِّن المجسَدُ
فيا غدُ إن كنت بي محسناً
فلا تدْنُ من ليلتي يا غد