تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
ويا ليلة الوصل لا تنفدي كما ليلة الهجر لا تنفد
فقلت : لله أبوك ! ! ورددته معي حتى لقيت ابن أبي دؤاد وحدثته بخبره فأوصله إلى الواثق ، فأمر له بألف دينار ، وأخذ له من سائر الكتاب وأهل الدولة ما أغناه به ، وأغنى عقبه بعده . وهذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام ، فإن كان صادقاً فيما قال ، ولا أراه ، فقد أحسن الأعرابي في الوصف ، وإن كان أبو تمام هو الذي صنعه وعَزاه إلى هذا الأعرابي فقد قصر في نظمه ، إذ كانت منزلته أكبر من هذا . أبو تمام الطائي : وكانت وفاة أبي تمام بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين ، وكان خليعاً ماجناً في بعض أحواله ، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه ، تماجناً لا اعتقاداً . وحدث محمد بن يزيد المبرد ، عن الحسن بن رجاء ، قال : صار إليَّ أبو تمام وأنا بفارس ، فأقام عندي مقاماً طويلًا ، ونمي إليَّ من غير وجه أنه لا يصلي ، فوكلت به من يراعيه ويتفقده في أوقات الصلاة ، فوجدت الأمر على ما اتصل بي عنه ، فعاتبته على فعله ذلك ، فكان من جوابه ان قال : أتراني أنشط للشخوص إليك من مدينة السلام واتجشم هذه الطرقات الشاقة وأكسل عن ركعات لا مئونة عليَّ فيها ، لو كنت أعلم أن لمن صلاها ثواباً أو على من تركها عقاباً ، قال : فهممت والله بقتله ، ثم تخوفت أن يصرف الأمر إلى غير جهته ، وهو القائل :
وأحق الأنام أن يَقضِيَ الدَّينَ امرؤ كان لإله غريما
وهذا قول مباين لهذا الفعل ، والناس في أبي تمام في طرفي نقيض : متعصب له يعطيه أكثر من حقه ، ويتجاوز به في الوصف قدره ، ويرى أن شعره فوق كل شعر ، أو منحرف له معاند ، فهو ينفي عنه حسنه ، ويعيب مختاره ، ويستقبح المعاني الظريفة التي سبق إليها وتفرد بها .