تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وذكر أنه لمَّا اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عُتبة :
ألا إن ظَبْياً للخليفةِ صادني وما لي على ظبي الخليفة من عدوي
غضب الرشيد وقال : أسخر منا فعبث ، وأمر بحبسه ، فدفعه إلى تَنجاب صاحب عقوبته ، وكان فظَّاً غليظاً ، فقال أبو العتاهية :
تَنجاب لا تَعْجَلْ عليَّ فليسَ ذا من رَائِه ما خِلْت هذا في مَخَا يلِ ضَوء بَرْقِ سَمَائِه
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه .
إنما أنت رحمةٌ وسَلامَه زادكَ الله غِبْطَةً وكرامَه قيل لي قد رَضِيت عَني ، فمن لي أن أرَى لي على رضاكَ عَلامَه
فقال الرشيد : لله أبوه ! لو رأيته ما حبسته ، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائباً عني ، وأمر بإطلاقه . وأبو العتاهية الذي يقول :
نُرَاع لِذِكْر الموتِ ساعةَ ذِكره ونَغْترُّ بالدُّنيا فنلهُو ونلعبُ ونحن بَنُو الدنيا خُلِقنا لغيرها وما كنت فيه فهو شيءٌ مُحَبَّب
وهو الذي يقول أيضاً :
حُتُوفُهَا رصَدٌ ، وعيشُها رَنَقٌ وكَدُّها نكد ، ومُلْكُها دُوَلُ
وهو الذي يقول :
المرءُ في تأخيرِ مُدَّتِه كالثوب يَبْلَى بعد جِدّتِه عجباً لمنتبه يضيع ما يحتاج فيه ليوم رقدته
وقال :
لا تأمن الدنيا على غدرها كم غدَرَتْ قبلُ بأمثالكا قد أجمع الناس على ذمها وما أرى منهم لها تاركا