وذكر أنه لمَّا اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عُتبة :
ألا إن ظَبْياً للخليفةِ صادني
وما لي على ظبي الخليفة من عدوي
غضب الرشيد وقال : أسخر منا فعبث ، وأمر بحبسه ، فدفعه إلى تَنجاب صاحب عقوبته ، وكان فظَّاً غليظاً ، فقال أبو العتاهية :
تَنجاب لا تَعْجَلْ عليَّ
فليسَ ذا من رَائِه
ما خِلْت هذا في مَخَا
يلِ ضَوء بَرْقِ سَمَائِه
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه .
إنما أنت رحمةٌ وسَلامَه
زادكَ الله غِبْطَةً وكرامَه
قيل لي قد رَضِيت عَني ، فمن لي
أن أرَى لي على رضاكَ عَلامَه
فقال الرشيد : لله أبوه ! لو رأيته ما حبسته ، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائباً عني ، وأمر بإطلاقه .
وأبو العتاهية الذي يقول :
نُرَاع لِذِكْر الموتِ ساعةَ ذِكره
ونَغْترُّ بالدُّنيا فنلهُو ونلعبُ
ونحن بَنُو الدنيا خُلِقنا لغيرها
وما كنت فيه فهو شيءٌ مُحَبَّب
وهو الذي يقول أيضاً :
حُتُوفُهَا رصَدٌ ، وعيشُها رَنَقٌ
وكَدُّها نكد ، ومُلْكُها دُوَلُ
وهو الذي يقول :
المرءُ في تأخيرِ مُدَّتِه
كالثوب يَبْلَى بعد جِدّتِه
عجباً لمنتبه يضيع ما
يحتاج فيه ليوم رقدته
وقال :
لا تأمن الدنيا على غدرها
كم غدَرَتْ قبلُ بأمثالكا
قد أجمع الناس على ذمها
وما أرى منهم لها تاركا