فقال : قاتله الله ! ! ما أحسن ما قال ، ثم دعا به ، وقال : ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء الله ، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك ، فأكبرت ذلك وأعظمته ، وصارت إليه تستعفيه ، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها ، فلما كان في الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه ، فقال لها : لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها ، قالت : أنا أمَتُكَ وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي الله عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حَجَّة وجبت عليَّ أخرى لا اقتصر منها على الكفارة وكلما أفدت شيئاً تصدقت به إلا ما أصلي فيه ، وبكت بين يديه ، فرَقَّ لها ورحمها وانصرف عنها ، وغدا عليه أبو العتاهية وهو لا يشك في الظفر بها ، فقال له الرشيد : والله ما قصَّرْتُ في أمرك ، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك ، وشرح له الخبر ( 1 ) ، قال أبو العتاهية : فلما أخبرني بذلك مكثت ملياً لا أدري أين أنا ، ثم قلت : الآن يئست منها إذ رَدَّتْكَ ، وعلمت أنها لا تجيب أحداً بعدك ، فلبس أبو العتاهية الصوف ، وقال في ذلك من أبيات :
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 357
مساهمون: المسعودي
ص٣٥٧
فقال : أحسن الخبيث ، وإذا على الثانية :
أعْلَقْتُ نفسي من رجائك ماله
عَنَقٌ يحثُّ إليك بي ورسيم
فقال : قد أجاد ، وإذا على الثالثة :
ولربما اسْتَيأستُ ثم أقول لا
إن الذي ضَمِنَ النجاحَ كريم
قَطَّعْت مِنْكِ حَبَائِلَ الآمالِ
وحَطَطْت عن ظهْر المَطيِّ رحالي
ووَجَدْتُ بَرْدَ اليَأسِ بَيْنَ جَوَانِحِي
فَغَنيت عن حِلٍّ وعن تَرْحَالِ
هامش
( 1 ) في نسخة : وشرح له الأمر .