تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧

له ، فكن بها كالمداوي جرحه ، واصبر على شدة الدواء ، لما تخاف من عاقبة الداء . بين عمر وعبد له : وذكر بعض الأخباريين أن عمر في عنفوان حداثته جنى عليه عبدٌ له أسود جناية ، فبطحه وهمَّ ليضربه ، فقال له العبد : يا مولاي ، لم تضربني ؟ قال : لأنك جنيت كذا وكذا ، قال فهل جنيت أنت جناية قط غضب بها عليك مولاك ؟ قال عمر : نعم ، قال : فهل عجَّلَ عليك العقوبة ؟ قال : اللهم لا ، قال العبد : فلم تعجل عليّ ولم يعجل عليك ؟ فقال له : قم فأنت حر لوجه الله ، وكان ذلك سبب توبته . بين عمر وغلام ورد عليه في وفد الحجاز : وكان عمر يكثر هذا الكلام في دعائه فيقول : يا حليما لا يعجل على من عصاه . وذكر جماعة من الأخباريين ان عمر لما ولي الخلافة وفد عليه وفود العرب ووفد عليه وفد الحجاز ، فاختار الوفد غلاماً منهم ، فقدموه عليهم ليبدأ بالكلام ، فلما ابتدأ الغلام بالكلام وهو أصغر القوم سناً قال عمر : مهلا يا غلام ليتكلم من هو اسنّ منك فهو أولى بالكلام ، فقال : مهلًا يا أمير المؤمنين ، إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه ، فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً ، وقلباً حافظاً ، فقد استجاد له الحلية ( 1 ) ، يا أمير المؤمنين ، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أسن منك ، قال : تكلم يا غلام ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة ، قدمنا إليك من بلدنا ، نحمد الله الذي من بك علينا ، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة ، اما الرغبة فقد أتانا منك إلى بلدنا ، وأما الرهبة فقد أمننا الله بعدلك من جورك ، فقال : عظنا يا غلام وأوجز ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إن أناساً من الناس غرهم حلم الله عنهم ، وطول املهم ، وحسن ثناء الناس عليهم ، فلا يغرنك حلم الله

هامش
( 1 ) في نسخة : استجاد له الخلة .