تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦

حين خلوته بطاعة مولاه ، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته ، ولكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه ( 1 ) فزهد فيها ، حتى صار مثل الراهب ، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا . وصية الأعرج : وكتب عمر إلى أبي حازم المدني الأعرج أن أوصني وأوجز ، فكتب اليه : كأنك يا أمير المؤمنين بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل والسلام . توقيع لعمر إلى عامل له : ووقع إلى عامل من عماله : قد كثر شاكوك وقل شاكروك ، فإما عدلت ، وإما اعتزلت ، والسلام . زهده بعد الخلافة : وذكر المدائني قال : كان يشترى لعمر قبل خلافته الحُلَّة بألف دينار ، فإذا لبسها استخشنها ولم يستحسنها ، فلما أتته الخلافة كان يُشترى له قميص بعشرة دراهم فإذا لبسه استلانه . وخرج مع جماعة من أصحابه فمر بالمقبرة ، فقال لهم : قفوا حتى آتي قبور الأحبة فأسلم عليهم ، فلما توسطها وقف فسلم وتكلم وانصرف إلى أصحابه فقال : ألا تسألوني ما ذا قلت لهم وما قيل لي ؟ فقالوا : وما ذا قلت يا أمير المؤمنين وما قيل لك ؟ قال : مررتُ بقبور الأحبة فسلمت عليهم فلم يردوا ، ودعوت ( 2 ) فلم يجيبوا ، فبينا أنا كذلك إذ نوديت : يا عمر ، أما تعرفني ؟ أنا الذي غيرت محاسن وجوههم ، ومزقت الأكفان عن جلودهم ، وقطعت أيديهم ، وأبَنْتُ أكفهم عن سواعدهم ، ثم بكى حتى كادت نفسه أن تطفأ ، فوالله ما مضى بعد ذلك إلا أيام حتى لحق بهم . من مطرف إلى عمر : وذكر المدائني قال : كتب مطرف إلى عمر : أما بعد ، فإن الدنيا دار عقوبة ، لها يجمع من لا عقل له ، وبها يغتر من لا علم

هامش
( 1 ) في نسخة : تحت قدميه .
( 2 ) في نسخة : ودعوتهم فلم يجيبوا ، فبينما أنا كذلك إذ ناداني التراب .