تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨

قال : يا أمير المؤمنين ، نزّه ربك ( 1 ) وعظمه بحيث ان يراك تجتنب ما نهاك عنه ولا يفقدك من حيث امرك به ، فبكى سليمان بكاء شديداً ، فقال له بعض جلسائه : أسرفت ويحك على أمير المؤمنين ، فقال له أبو حازم : اسكت فإن الله عز وجل أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ثم خرج ، فلما صار إلى منزله بعث اليه سليمان بمال ، فرده ، وقال للرسول : قل له والله يا أمير المؤمنين ما أرضاه لك ، فكيف أرضاه لنفسي ؟ . بين سليمان واعرابي : وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال : حدثني الأصمعي ، عن شيخ من المهالبة ، قال : دخل اعرابي على سليمان فقال له : يا أمير المؤمنين ، اني أريد ان أُكلمك بكلام فافهمه ، فقال له سليمان : انا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ، ولا نأمن غشه ، وأرجو أن تكون الناصح جيباً ، المأمون غيباً ، فهات ، قال : يا أمير المؤمنين ، اما إذ امنتُ بادرة غضبك فسأطلق لساني بما خرست به الألسن من عظتك تأدية لحق الله وحق أمانتك ( 2 ) ، يا أمير المؤمنين ، انه قد تكنَّفكَ رجال أساؤا الاختيار ( 3 ) لأنفسهم ، وابتاعوا دنياهم بدينهم ، ورضاك بسخط ربهم ، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك ، حرب للآخرة وسلم للدنيا ، فلا تأمنهم على ما يأمنك الله عليه ، فإنهم لم يأتوا الا ما فيه تضييع وللأمة خسف وعسف ، وأنت مسؤول عما اجترموا ، وليسوا مسئولين عما اجترمت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك ، فان أعظم الناس غبناً بائع آخرته بدنيا غيره ، فقال له سليمان : أما أنت يا أعرابي فقد سللت علينا لسانك ، وهو اقطع من سيفك ، فقال : اجل يا أمير المؤمنين ، لك لا عليك ، فقال سليمان : اما وأبيك يا اعرابي لا تزال العرب بسلطاننا لأكناف العز متبوئة ، ولا تزال أيام دولتنا

هامش
( 1 ) في نسخة : عظم ربك وإياك أن يراك بحيث نهاك عنه ويفقدك من حيث أمرك .
( 2 ) في نسخة : وحق إمامتك .
( 3 ) في نسخة : وأساؤا الاحسان .
مروج الذهب ومعادن الجوهر — صفحة 178 | المسعودي