وانما هي نعوت وصفات لغيرها ووجوداتها في أنفسها عين
وجوداتها لموضوعاتها ، كذلك هناك مفاهيم لا يمكن ان توجد في
الذهن
مستقلة وفي غير موضوع ، وانما هي حالات لمفاهيم أخرى وذلك
كمفاهيم الحروف حيث أنها لا يمكن ان توجد في الذهن إلا حالة
لمدخولاتها ، فمفهوم ( من ) مثلا ليس هو في الذهن طبيعة الابتداء -
التي يمكن أن يخبر عنها ، وتلاحظ مستقلة - بل الابتداء الذي هو
حالة
للبصرة أو غيرها من مدخولات هذه الكلمة . ولذلك لا يمكن أن يخبر
عنه ولا به عن شئ . هذا هو المراد من قولهم : ان الحرف ما دل
على معنى في غيره . وبعبارة أخرى المعنى الحرفي من قبيل الوجود
الرابطي لا الوجود النفسي ولا الرابط كما اصطلح عليه بعض
المحققين .
والحاصل أن الاعراض الخارجية - التي وجودها في الخارج تبع
لوجود الغير ولا استقلال لها ، وإنما هي نعوت وأوصاف لغيرها -
يمكن ان تلاحظ في الأذهان مستقلة من دون نظر إلى موضوعاتها ،
ويمكن أن تلاحظ في الذهن على نحو وجودها في الخارج نعتا
وحالة لمفهوم آخر . والمعنى الحرفي من قبيل الثاني . والجواب عن
هذا الوجه هو ما أجبنا به عن الوجه الثاني وهو أن معاني الحروف من
سنخ وجود الرابط والنسب لا الوجود الرابطي والاعراض . وبعبارة
أخرى لو كان من سنخ الاعراض لما كان محتاجا الا إلى طرف
واحد لا إلى الطرفين . والوجدان يحكم باحتياجهما إلى الطرفين ، كما
سنبينه في القول الآتي .
( الرابع ) -
أن المعنى الحرفي من سنخ النسب والارتباطات القائمة بالطرفين ،
فيكون معنى ( من ) مثلا نسبة الابتدائية بين السير والبصرة ( بيان
ذلك ) أن مفهوم السير لا يحكي إلا عن ذلك الحدث المعين الصادر
عن السائر ، ومفهوم البصرة لا يحكي إلا عن ذلك البلد المعين ،
وهكذا مفهوم الكوفة . ولكن قولك سرت من البصرة إلى الكوفة يدل
على شيئين آخرين . ] 1 [ غير تلك الحكايات الثلاث : وهي النسبة
] 1 [ بل هذه الجملة تدل على أربع حكايات والرابع حكاية التاء في
سرت عن فاعل هذا الحدث ، كما أن هيئة سرت تدل على النسبة
الصدورية بين الفاعل أعني التاء في سرت والسير ( منه ) .
منتهى الأصول — صفحة 22
مساهمون: حسن بن علي أصغر الموسوي البجنوردي
ص٢٢