عمائم المشايخ عن رؤوسهم . فعند ذلك يقول بصوت يسمع الخلائق غير الثقلين : يا غسال
بالله عليك إنزع ثيابي برفق ، فأني الساعة استرحت من مخاليب ملك الموت ، فإذا صب عليه
الماء صاح كذلك . فإذا رفع عن المغتسل ، وشد مواضع قدميه بالكفن ، يقول : بالله عليك
لا تشد رأس كفني ليرى وجهي أهلي وأولادي وعروسي التي كنت أحبها ، وينظر إلى وجهي
أقربائي ، وأحبائي وإخواني ، وجيراني ، ورفقائي ، فأن هذه آخر رؤياي .
فإذا خرج من الدار ، نادى بالله عليكم يا حملة نعشي لا تعجلوا بي ، حتى أودع
داري التي بنيتها ، وزينتها ونقشتها بأنواع النقوش ، وأهلي ومالي وأولادي ، فأن هذا
خروج لا مرد بعده إلى يوم القيامة .
فإذا رفعت الجنازة ، نادى يا حملة نعشي بالله عليكم لا تعجلوا بي ، حتى أسمع
أصوات أولادي الذين يعولون خلف جنازتي ، وعروسي التي تبكي علي ، ووالدي الذي تقوس
ظهره لموتي ، ووالدتي التي شدت وسطها بالمنديل لمفارقتي ، وقد نشرت شعرها ، وضربت
صدرها ، وتقوس ظهرها ، وابيضت عيناها لفقدي .
فإذا صلي على جنازته ، ورفع من المصلى ، ورجع بعض أصدقائه ، يقول : يا إخوتاه كنت
أعلم أن الميت ينساه الأحياء ، لكن لا بهذه السرعة ، رجعتم قبل أن تدفنوني ،
ونسيتموني بهذه السرعة ، وجسمي بعد بين أظهركم .
فإذا وضع في لحده ، ووضع عليه التراب ، ينادي وأورثتاه ، تركت لكم الكثير ، فلا
تنسوني ، وتصدقوا عني على فقرائكم ، ولو بكسرة خبز محترق ، وعلمتكم القرآن والأدب ،
فلا تنسوني من الدعاء ، فأني صرت محتاجا ، كفقرائكم على أبوابكم ، ومحتاجا إلى
دعائكم ، كصاحب حاجتكم إلى ساداتكم ( 1 ) .
ومما يدل على بقاء حياتهم في قبورهم ، ما دل على أن الميت بعدما يسأل ، يفتح
له باب إلى الجنة ، إن كان من أهل الخير ، أو إلى النار إن كان من أهل الشر ، وبقاء
اللذة والألم ظاهر في بقاء أثر الحياة .
وعن عبد الله بن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا مات
أحدكم ، عرض عليه مقعده بالغدوة والعشي ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن الميت يسأل في قبره عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأن
هامش
( 1 ) تراجع هذه الأحاديث في الجزء الخامس عشر من كنز العمال في الباب الأول ( في
ذكر الموت وفضائله ) ، حديث 42094 حتى حديث 43011 ( من ص 548 حتى ص 758 ) .