يتراءى هاهنا جواب آخر ، وهو أن يكون استدلاله عليه السلام إلزاميا للحاضرين القائلين بالعمل بالقياس . فتدبر .
ثم لا يخفى أنه يمكن أن يستنبط أيضا من هذا الحديث أنه لا بد من الصاع ( 1 ) في غسل الجنابة وعدم أجزاء ما دونه ، ويؤيد ذلك ما يأتي . وهو استدلال جيد إن لم ينعقد الإجماع على الاكتفاء بما دون الصاع . انتهى .
وأقول : الجواب الأول عن القياس لعل فيه ضعفا ، لأن مع معلومية العلة لا يعتبر شئ من الأقيسة ، ومع العلم بها ليس من القياس المنهي عنه في شئ .
وإنما المعتبر من قياس الأولوية ما يكون بحسب العرف دالا عليه ، كقوله تعالى " فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ " ( 2 ) وقد حققنا ذلك في موضعه . فالأحسن الجواب الثاني ، وأنه إلزامي على المخالفين .
أو يقال : إن القياس إنما لا يجوز مع عدم العلم بالعلة ، والإمام لما كان عالما بالعلة الواقعية يجوز له ذلك .
وأما وجوب الصاع فمع قطع النظر عن الإجماع على عدمه الأخبار المعارضة له كثيرة ، فيمكن أن يؤول بأن المراد لا توجبون عليه غسلا أكثر مراتبه أن يكون بصاع من ماء ، وهذا أمر سهل . فلا تغفل عن هذه الدقيقة .
وقال الفاضل التستري رحمه الله : لعل فيه دلالة على وجوب الغسل بالإدخال في دبر المرأة والغلام .
ويمكن أن يقال : قوله عليه السلام " أتوجبون " كان بحثا إلزاميا لا تحقيقا ، فلهذا عقبه بقوله " إذا التقى " إلى آخره ، فلا دلالة . أفهمه .
هامش
( 1 ) مشرق الشمسين ص 311 - 312 .
( 2 ) سورة الإسراء : 23 .