شرح
السابقين محرمة تكليفاً ، ولكن يمكن المناقشة في كثير منها ، إذ مرّ منّا أنّ بيع
النجس مثلا بما أنّه نجس لا دليل على حرمته تكليفاً وإنّما الثابت عدم جواز بيع
ما لا منفعة محلّلة له من النجاسات ، ففي الحقيقة تكون النجاسات مندرجة في
النوع الثالث ، غاية الأمر أنّ الشيء قد لا تكون له منفعة عقلائية أصلا ، وقد تكون
له منفعة عقلائية ولكنها محرّمة شرعاً ، فبلحاظ حكم الشرع يكون ممّا لا منفعة له
وحكمه حكمه . والقول بأنّ في بيع النجس الذي لا منفعة محلّلة له يكون نفس
البيع حراماً تكليفاً مطلقاً قابل للمناقشة . نعم في بعض المصاديق كالخمر مثلا
يمكن الالتزام بذلك ، لما ورد فيها في الروايات من التأكيدات حتى بالنسبة إلى
غارسها وحارسها ، نظير ما نلتزم به في البيع الربوي من أنّه مضافاً إلى فساد
المعاملة وعدم انتقال الثمن إلى البائع يكون نفس معاملته محرّمة تكليفاً بمقتضى
التأكيدات الواردة فيه وليس حرمة أكله في حدّ حرمة أكل مال الغير فقط .
وقد مرّ منّا أيضاً أنّ لفظ الحرمة الواقعة في كلمات القدماء من أصحابنا وفي
الروايات تحمل على الحرمة الوضعية ، واللفظ بحسب المفهوم أعمّ ، وكذا الحلية
الواقعة في قبالها ، وقد شاع استعمالهما في الوضع ، ومحطّ النظر في المعاملات
غالباً هو الصحة أو الفساد ، وعلى ذلك حمل المصنّف رواية تحف العقول أيضاً
وإن عبّر فيها بالنهي أو بلفظ الحرمة ، فتدبّر .
وكيف كان فبنظر المصنّف يفترق هذا النوع عن النوعين السّابقين كما مرّ بيانه .
ولكن الأستاذ الإمام " ره " صار بصدد توجيه ذكر هذا النوع أيضاً في عداد ما
يحرم بيعه تكليفاً وذكر لذلك ثلاثة وجوه نذكرها ملخّصة : " الأوّل : التمسك لحرمة
نفس المعاملة بقوله - تعالى - : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) بدعوى
شمول الأكل بالباطل لتملك مال الغير بلا مال في قباله ، فيصدق على بيع البائع ،
ونقله ما لا مالية له باعتبار تضمنه لنقل العوض إلى نفسه أنّه أكل مال المشتري ، أي
تملّكه بالباطل ، فيكون حراماً بمقتضى الآية .