قِصّةُ مُوسى والخِضرِ عليهما السلام فِي القُرآنِ :
قال العالم : إنّك لن تستطيع معي صبراً على ما تشاهده من أعمالي التي لا عِلم لك بتأويلها ، وكيف تصبر على ما لم تُحِط به خبراً ؟ ! فوعده موسى أن يصبر ولا يعصيه في أمر إن شاء اللَّه ، فقال له العالم - بانياً على ما طلبه منه ووعده به - :
فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى احدِث لك منه ذِكراً .
فانطلق موسى والعالم حتّى ركبا سفينة وفيها ناس من الركّاب - و موسى خالي الذهن عمّا في قصد العالم - فخرق العالمُ السفينة خرقاً لا يؤمَن معه الغرق ، فأدهش ذلك موسى وأنساه ما وعده فقال للعالم :
أخرقتها لتغرق أهلها ؟ ! لقد جئت شيئاً إمراً ! قال له العالم : ألم أقل : إنّك لن تستطيع معي صبراً ؟ ! فاعتذر إليه موسى بأنّه نسي ما وعده من الصبر قائلًا : لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً .
فانطلقا فلقيا غلاماً فقتله العالم ، فلم يملك موسى نفسه دون أن تغيّر وأنكر عليه ذلك قائلًا : أقتلت نفساً زكيّةً به غير نفس ؟ ! لقد جئت شيئاً نُكراً ! قال له العالم ثانياً : ألم أقل لك : إنّك لن تستطيع معي صبراً ؟ ! فلم يكن عند موسى ما يعتذر به ويمتنع به عن مفارقته ونفسه غير راضية بها ، فاستدعى منه مصاحبة مؤجّلة بسؤال آخر إن أتى به كان له فراقه ، واستمهله قائلًا : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدنّي عذراً ، وقبله العالم .
فانطلقا حتّى أتيا قرية - وقد بلغ بهما الجوع - فاستطعما أهلها فلم يضيّفهما أحد منهم ، وإذا بجدار فيها يريد أن ينقضّ ويتحذّر منه الناس فأقامه العالم ، قال له موسى : لو شئتَ لاتّخذتَ على عملك منهم أجراً فتوسّلنا به إلى سدّ الجوع ، فنحن في حاجة إليه والقوم لا يضيّفوننا !
فقال له العالم : هذا فراقُ بيني وبينك ، سانبّئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً . ثمّ قال : أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ويتعيّشون بها ، وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصباً ، فخرقتُها لتكون مَعيبة لا يرغب فيها .
وأمّا الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنَين ، ولو أنّه عاش لأرهقهما بكفره وطغيانه ، فشملتهما الرحمة الإلهيّة ، فأمرني أن أقتله ليبدلهما ولداً خيراً منه زكاةً وأقرب رُحماً ، فقتلته .
وأمّا الجدار فكان لغلامَين يتيمَين في المدينة وكان تحته كنز لهما ، وكان أبوهما صالحاً ، فشملتهما الرحمة الإلهيّة لصلاح أبيهما ، فأمرني أن اقيمه فيستقيم حتّى يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما ، ولو انقضّ لظهر أمر الكنز وانتهبه الناس .
قال : و ما فعلت الذي فعلت عن أمري بل عن أمر من اللَّه ، وتأويلها ما أنبأتك به ، ثمّ فارق موسى . « 1 »
هامش
( 1 ) . تفسير الميزان : 13 / 350 .