ذلك جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللَّطف كما أنّ حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرّضا بقضاء اللَّه تعالى في العطش وشرب الماء طلب لإزالة العطش ومباشرة سبب رتّبه مسبّب الأسباب فكذلك الدّعاء سبب رتّبه اللَّه تعالى وأمر به . وقد ذكرنا أنّ التمسّك بالأسباب جريا على سنّة اللَّه تعالى لا يناقض التوكَّل واستقصيناه في كتاب التوكَّل فهو أيضا لا يناقض الرّضا لأنّ الرّضا مقام ملاصق بالتوكَّل ويتّصل به ، نعم إظهار البلاء في معرض الشّكوى وإنكاره بالقلب على اللَّه تعالى مناقض للرّضا وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة اللَّه تعالى لا يناقض فيه وقد قال السلف : من حسن الرّضا بقضاء اللَّه أن لا يقول : هذا يوم حارّ أي في معرض الشكاية وذلك في الصيف ، فأمّا في الشتاء فهو شكر والشكوى مناقض للرّضا بكلّ حال وذمّ الأطعمة وعيبها يناقض الرّضا بقضاء اللَّه لأنّ مذمّة الصنعة مذمّة الصانع والكلّ من صنع اللَّه تعالى وقول القائل : الفقر بلاء ومحنة ، والعيال همّ وتعبّ والاحتراف كدّ ومشقّة ، كلّ ذلك قادح في الرّضا بل ينبغي أن يسلَّم التدبير لمدبّره والمملكة لمالكها ويقول ما قال بعض الصحابة : لا أبالي أصبحت غنيّا أو فقيرا فإنّي لا أدري أيّهما خير لي . * ( بيان أنّ الفرار من البلاد الَّتي هي مظانّ المعاصي ) * * ( ومذمّتها لا يقدح في الرّضا ) * اعلم أنّ الضعيف قد يظنّ أنّ نهي النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون ( 1 ) يدلّ على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي لأنّ كلّ واحد منهما فرار من قضاء اللَّه تعالى وذلك محال بل العلَّة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنّه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحّاء وبقي فيه المرضى المطعونون مهملين لا متعهّد لهم فيهلكون هزلا وضرارا ولذلك شبّهه النبيّ عليه السّلام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 99
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٩
هامش
( 1 ) النهى عن الفرار من الطاعون أخرجه مسلم ج 7 ص 27 من حديث أسامة بن زيد .