تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠

في بعض الأخبار بالفرار من الزّحف ( 1 ) ولو كان ذلك من القضاء لما أذن لمن قارب البلد في الانصراف عنه وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكَّل ، وإذا عرف المعنى ظهر أنّ الفرار من البلاد الَّتي هي مظانّ المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار منها ومن كلّ ما لا بدّ من الفرار منه وكذلك مذمّة المواضع الَّتي تدعوا إلى المعاصي والأسباب الَّتي تدعوا إليها لأجل التنفير عن المعصية ليست مذموما فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتّى اتّفقت جماعة على ذمّ بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها . فقال ابن المبارك : طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرّا من بغداد قيل : وكيف ؟ قال : هو بلد تزدري فيه نعمة اللَّه وتستصغر فيه معصية اللَّه ، ولمّا قدم خراسان قيل له : كيف رأيت بغداد ؟ قال : ما رأيت به إلا شرطيّا غضبان أو تاجرا لهفان أو قاريا حيران ، ولا ينبغي أن تظنّ أنّ ذلك من الغيبة لأنّه لم يتعرّض لشخص بعينه حتّى يستضرّ ذلك الشخص به بل قصد بذلك تحذير الناس ، فهذا يدلّ على أنّ من سكن ببلدة تكثر فيها المعاصي ويقلّ فيها الخير فلا عذر له في المقام بها بل ينبغي أن يهاجر ، قال اللَّه تعالى : « ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها » ( 2 ) فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة فلا ينبغي أن يكون راضيا بحاله مطمئنّ النفس إليه ، بل ينبغي أن يكون منزعج القلب منها قائلا على الدّوام « ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها » . وذلك لأنّ الظلم إذا عمّ نزل البلاء ودمّر على الجميع وشمل المطيعين والعاصين قال اللَّه تعالى : « واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الَّذين ظلموا منكم خاصّة » ( 3 ) فإذن ليس في شيء من أسباب نقصان الدّين البتّة رضا مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل اللَّه فأمّا هي في أنفسها فلا وجه للرّضا بها بحال ، وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل مقامات ثلاثة : رجل يحبّ الموت شوقا إلى لقاء اللَّه تعالى ورجل يحبّ البقاء لخدمة المولى ، ورجل قال : لا أختار شيئا بل أرضى بما اختاره اللَّه تعالى ، ورفعت هذه المسألة

هامش
( 1 ) تقدم في كتاب آداب السفر ج 4 ص 52 . وأخرجه أحمد في مسنده ج 6 ص 145 .
( 2 ) النساء : 99 .
( 3 ) الأنفال : 25 .