بعضهم مقام الرّضا وقال : ليس إلا الصبر فأمّا الرّضا فغير متصوّر وهذا كلَّه كلام ناقص قاصر لم يطَّلع قائله من مقامات الدّين إلا على القشور وظنّ أنّه لا وجود إلا للقشر ، فإنّ المحسوسات وكلّ ما يدخل في الخيال في طريق الدّين قشر مجرّد ووراءه اللَّب المطلوب ، فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظنّ أنّ الجوز خشب كلَّه ويستحال عنده خروج الدّهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول ، وقد قيل :
الأنس باللَّه لا يحويه بطَّال * وليس يدركه بالحول محتال
والآنسون رجال كلَّهم نجب * وكلَّهم صفوة للَّه عمّال
* ( بيان معنى الانبساط والإدلال الَّذي تثمره غلبة الأنس ) *
اعلم أنّ الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوّشه قلق الشوق ، ولم ينغّصه خوف البعد والحجاب فإنّه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللَّه تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجرأة وقلَّة الهيبة ولكنّه محتمل ممّن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبّه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر ومثاله مناجاة برخ الأسود الَّذي أمر اللَّه تعالى كليمه موسى عليه السّلام أن يسأله ليستسقى لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى ليستسقى لهم في سبعين ألفا فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليه : كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم ، سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتّى أستجيب له فسأل عنه موسى عليه السّلام فلم يعرف ، فبينا موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله ، بين عينيه تراب من أثر السجود في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور اللَّه تعالى فسلَّم عليه فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمي برخ ، قال : فأنت طلبتنا منذ حين اخرج فاستسق لنا ، فخرج فقال في كلامه : « ما هذا من فعالك ، ولا هذا من حلمك ، وما الَّذي بدا لك أتعصّت عليك غيومك أم عاندت الرّياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتدّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 81
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨١