فالمنع منه عطيّة مبذولة * والفقر إكرام وبرّ عاجل
ومن الدّلائل أن يرى من عزمه * طوع الحبيب وإن ألحّ العاذل
ومن الدّلائل أن يرى متبسّما * والقلب فيه من الحبيب بلابل
ومن الدّلائل أن يرى متفهّما * لكلام من يحظي لديه السائل
ومن الدّلائل أن يرى متقشّفا * متحفّظا من كلّ ما هو قائل
أقول : وممّا يصحّ أن يجعل دليلا ما نقله أبو حامد عن بعضهم في جملة ما تركناه في أواخر هذا الكتاب في معنى المحبّة : أنّها محو الإرادات واحتراق الصفات والحاجات . ونقل من آخر : أنّ المحبّة معنى من المحبوب قاهر للقلوب تعجز القلوب عن إدراكه وتمنع الألسن عن عبارته فإنّ من يجد في قلبه ذلك للَّه فهو محبّ له .
* ( بيان معنى الأنس باللَّه عزّ وجلّ ) *
قد ذكرنا أنّ الأنس والخوف والشوق من آثار المحبّة إلا أنّ هذه آثار مختلفة تختلف على المحبّ بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلَّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الاطَّلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه فسمّيت هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمّى استبشاره أنسا وإن كان نظره إلى صفات العزّ والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزّوال والبعد تألَّم قلبه بهذا الاستشعار فيسمّى تألَّمه خوفا ، وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها ، فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال حتى أنّه إذا غلب وتجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرّق إليه من خطر الزّوال عظم نعيمه ولذّته ، ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له : أنت مشتاق فقال : لا إنّما الشوق إلى غائب فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف ، ومن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 79
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧٩