ينسب إليه ، فإنّ من يحبّ إنسانا يحبّ كلب حبيبه ، فالمحبّة إذا قويت تعدّت من المحبوب إلى كلّ ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ويتعلَّق بأسبابه ، وذلك ليس شركة في الحبّ فإنّ من أحبّ رسول المحبوب لأنّه رسوله ، وكلامه لأنّه كلامه فلم يجاوز حبّه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبّه ، ومن غلب حبّ اللَّه على قلبه أحبّ جميع خلق اللَّه لأنّهم خلقه فكيف لا يحبّ القرآن والرّسول وعباد اللَّه الصالحين ، وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب آداب الأخوّة والصحبة ولذلك قال اللَّه تعالى : « قل إن كنتم تحبّون اللَّه فاتّبعوني يحببكم اللَّه » ( 1 ) وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أحبّوا اللَّه لما يغذوكم به من نعمه وأحبّوني للَّه تعالى » ( 2 ) وقيل : من أحبّ من يحبّ اللَّه فإنّما أحبّ اللَّه عزّ وجلّ ومن أكرم من يكرم اللَّه تعالى فإنّما يكرم اللَّه عزّ وجلّ . ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاة اللَّه تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على التهجّد ويغتنم هدء اللَّيل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق ، وأقلّ درجات الحبّ التلذّذ بالخلوة بالحبيب والتنعّم بمناجاته فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذّ عنده وأطيب من مناجاة اللَّه عزّ وجلّ كيف تصحّ محبّته ، ومهما أنس بغير اللَّه كان بقدر أنسه بغير اللَّه مستوحشا من اللَّه ساقطا عن درجة محبّته وفي قصّة برخ وهو العبد الأسود الَّذي استسقى به موسى عليه السّلام إنّ اللَّه عزّ وجلّ قال لموسى : إنّ برخا نعم العبد هو لي إلا أنّ فيه عيبا ، قال : يا ربّ وما عيبه ؟ قال : يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه ومن أحبّني لا يسكن إلى شيء . وروي أنّ عابدا عبد اللَّه في غيضة [ 1 ] دهرا طويلا فنظر يوما إلى طائر وقد عشّش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال : لو حوّلت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر ، ففعل فأوحى اللَّه تعالى إلى نبيّ زمانه قل لفلان العابد : استأنست بمخلوق لأحطَّنّك عن درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا . فعلامة المحبّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 71
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٧١
هامش
( 1 ) آل عمران : 30 .
( 2 ) تقدم في باب شواهد الشرع في باب حب العبد للَّه تعالى .
[ 1 ] الغيضة : الأجمة مجتمع الشجر في مغيض الماء .