لأمره ، والمزيّن لأخلاقه ، والمستعمل لجوارحه والمسدّد لظاهره وباطنه ، والجاعل لهمومه همّا واحدا ، والمبغّض للدّنيا في قلبه ، والموحش له من غيره ، والمؤنس له بلذّة المناجاة في خلواته ، والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته ، فهذا وأمثاله هي علامة حبّ اللَّه تعالى للعبد ، ولنذكر الآن علامة محبّة اللَّه تعالى فإنّها أيضا علامات حبّ اللَّه عزّ وجلّ للعبد . * ( القول في علامات محبّة العبد للَّه عزّ وجلّ ) * اعلم أنّ المحبّة يدّعيها كلّ أحد وما أسهل الدّعوى وما أعزّ المعنى فلا ينبغي أن يغترّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخدع النفس مهما ادّعت محبّة اللَّه عزّ وجلّ ما لم يمتحنها بالعلامات ولم يطالبها بالبراهين والأدلَّة والمحبّة شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر على القلب واللَّسان والجوارح وتدلّ تلك الآثار الفائضة منها على القلب والجوارح على المحبّة دلالة الدّخان على النار ودلالة الثمار على الأشجار ، فهي كثيرة فمنها حبّ لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام ، ولا يتصوّر أن يحبّ القلب محبوبا إلا ويحبّ مشاهدته ولقاءه ، وإذا علم أنّه لا وصول إلا بالارتحال من الدّنيا بالموت فينبغي أن يكون محبّا للموت غير فارّ منه ، فإنّ المحبّ لا يثقل عليه السفر عن وطنه إلى مستقرّ محبوبه ليتنعّم بمشاهدته والموت مفتاح اللَّقاء وباب الدّخول إلى المشاهدة ، قال عليه السّلام : « من أحبّ لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه » ( 1 ) . فإن قلت : فمن لا يحبّ الموت فهل يتصوّر أن يكون محبّا للَّه ، فأقول : كراهة الموت قد تكون لحبّ الدّنيا والتأسّف على فراق الأهل والمال والولد وهذا ينافي كمال حبّ اللَّه تعالى لأنّ الحبّ الكامل هو الَّذي يستغرق كلّ القلب ولكن لا يبعد أن يكون له مع حبّ الأهل والولد شائبة من حبّ اللَّه تعالى ضعيفة فإنّ الناس متفاوتون في الحبّ فمنهم من لا يحبّ اللَّه بكلّ قلبه فيحبّه ويحبّ غيره
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 68
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٨
هامش
( 1 ) متّفق عليه من حديث أبي هريرة وعائشة راجع صحيح البخاري ج 8 ص 132 .