تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧

الكمال متناه ولا ينتهي إلا إلى حدّ محدود فلا مطمع له في المساواة ثمّ درجات القرب تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أصلا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال فإذن محبّة اللَّه للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشّواغل والمعاصي عنه ، وتطهير باطنه من كدورات الدنيا ، ورفع الحجاب عن قلبه حتّى يشاهده كأنّه يراه بقلبه ، وأمّا محبّة العبد للَّه تعالى فهو ميله إلى درك هذا الكمال الَّذي هو مفلس عنه فاقد له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته وإذا أدرك منه شيئا يلتذّ به ، والشوق والمحبّة بهذا المعنى محال على اللَّه تعالى . فإن قلت : فمحبّة اللَّه تعالى للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنّه حبيب اللَّه فأقول : يستدلّ عليه بعلاماته وقد قال عليه السّلام : « إذا أحبّ اللَّه تعالى عبدا ابتلاه فإن أحبّه الحبّ البالغ اقتناه ، قيل : وما اقتناؤه ؟ قال : لم يترك له مالا ولا أهلا » ( 1 ) فعلامة محبّة اللَّه تعالى للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره ، وقيل لعيسى عليه السّلام : ألا تشتري حمارا فتركبه ؟ فقال : أنا أعزّ على اللَّه تعالى من أن يشغلني عن نفسه بحمار ، وفي الخبر « إذا أحبّ اللَّه عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه ( 2 ) » وقال بعض العلماء : إذا رأيتك تحبّه ورأيته يبتليك فاعلم أنّه يريد أن يصافيك ، وقال بعض المريدين لأستاذه : قد طولعت بشيء من المحبّة فقال : يا بنيّ هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إيّاه ؟ قال : لا قال : فلا تطمع في المحبّة فإنّه لا يعطيها عبدا حتّى يبلوه ، وقال عليه السّلام : « إذا أحبّ اللَّه عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه » ( 3 ) . وقال : « إذا أراد اللَّه بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه » ( 4 ) وأخصّ علاماته حبّه للَّه فإنّ ذلك يدلّ على حبّ اللَّه عزّ وجلّ له ، وأمّا الفعل الدالّ على كونه محبوبا فهو أن يتولَّى اللَّه تعالى أمره ظاهره وباطنه سرّه وجهره ، فيكون هو المشير عليه ، والمدبّر

هامش
( 1 ) تقدم عن الطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني .
( 2 ) ذكره صاحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب عليه السّلام ولم يخرجه ولده في مسنده .
( 3 ) ذكره صاحب الفردوس من حديث أم سلمة بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
( 4 ) رواه البيهقي في الشعب من حديث أنس عن محمد بن كعب مرسلا .