تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
إنّما وضع هذه الأسامي أوّلا للخلق فإنّ الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق وكان استعمالها في حقّ الخالق بطريق الاستعارة والتجوّز والنقل ، والمحبّة في وضع اللَّسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم وهذا إنّما يتصوّر في نفس ناقصة فاتها ما يوافقها ويستفيد بنيله كمالا فتستلذّ بنيله وهذا محال على اللَّه عزّ وجلّ ، فإنّ كلّ كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن من الإلهيّة فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أبدا وأزلا ولا يتصوّر تجدّده ولا زواله فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنّه غيره بل نظره إلى ذاته وإلى أفعاله فقطَّ وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله ، ولذلك قال شيخ أبو سعيد الميهني - رحمه اللَّه - لما قرئ عليه قوله تعالى : « يحبّهم ويحبّونه » فقال : بحقّ يحبّهم فإنّه ليس يحبّ إلا نفسه على معنى أنّه الكلّ وأن ليس في الوجود غيره فمن لا يحبّ إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبّه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلَّقة بذاته ، فهو إذن لا يحبّ إلا نفسه وما ورد من الألفاظ في حبّه لعباده فهو مأوّل فيرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتّى يراه بقلبه وإلى تمكينه إيّاه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل وإلى تطهير باطنه من حلول الغير به وإلى تفريغه وتخليته عن علائق وعوائق تحول بينه وبين مولاه حتّى لا يسمع إلا بالحقّ ومن الحقّ ولا يبصر إلا به ولا ينطق إلا به كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حكاية عن ربّه سبحانه « لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه - الحديث » فحبّه لمن أحبّه أزليّ مهما أضيف إليه الإرادة الأزليّة الَّتي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق القرب إذا أضيف إلى فعله الَّذي ينكشف به الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال تعالى : « لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه » فيكون تقرّبه بالنوافل سببا لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربّه وكلّ ذلك فضل اللَّه عزّ وجلّ ولطفه به فهو معنى محبّته ولا يفهم هذا إلا بمثال ، وهو أنّ الملك قد يقرّب عبده من نفسه ويأذن له في كلّ وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه إمّا لينتصر بقوّته أو لتستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 65 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري