تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
أو ليهيّء له أسباب شرابه وطعامه فيقال : إنّ الملك يحبّه ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له وقد يقرّب عبدا ولا يمنعه من الدّخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به بل لكون العبد في نفسه موصوفا بالأخلاق الرّضيّة والخصال الحميدة وما يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظَّ من قربه منه أنّ الملك لا غرض له فيه أصلا فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال قد أحبّه ، وإذا اكتسب من الخصال المحمودة ما اقتضى دفع الحجاب يقال قد توصّل إليه وحبّب نفسه إلى الملك فحبّ اللَّه للعبد إنّما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعني الأوّل وإنّما يصحّ تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهم عبد دخول تغيّر عليه عند تجدّد القرب فإنّ الحبيب هو القريب من اللَّه تعالى والقرب من اللَّه تعالى في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين والتخلَّق بمكارم الأخلاق الَّتي هي الأخلاق الإلهيّة فهو قريب بالصفة لا بالمكان ، ومن لم يكن قريبا فصار قريبا فقد تغيّر فربما يظنّ بهذا أنّ القرب لمّا تجدّد فقد تغيّر وصف العبد والرّبّ جميعا إذ صار قريبا بعد أن لم يكن وهو محال في حقّ اللَّه إذ التغيّر عليه محال بل لا يزال في نعوت الكمال والجمال على ما كان عليه في أزل الآزال ، ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص فإنّ الشّخصين قد يتقاربان بتحرّكهما جميعا وقد يكون أحدهما ثابتا فيتحرّك الآخر فيحصل القرب بتغيّر في أحدهما من غير تغيّر في الآخر بل القرب في الصفات أيضا كذلك فإنّ التلميذ يطلب القرب من درجة أستاده في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرّك بالنزول إلى درجة تلميذه والتلميذ متحرّك مترقّ من حضيض الجهل إلى يفاع العلم فلا يزال دائبا في التغيّر والترقّي إلى أن يقرب من أستاده والأستاذ ثابت غير متغيّر فكذلك ينبغي أن يفهم ترقّي العبد في درجات القرب فكلَّما صار أكمل صفة وأتمّ علما وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوّة في قهر الشياطين وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرّذايل صار أقرب من درجة الكمال ومنتهى الكمال للَّه تعالى وقرب كلّ واحد من اللَّه تعالى بقدر كماله ، نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته وذلك في حقّ اللَّه تعالى محال فإنّه لا نهاية لكماله وسلوك العبد في درجات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 66 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري