عنّي فامزجوها وسمحت بانقطاع ثوابي عنها فإنّي حلفت بعزّتي وجلالي لا أبيح ثوابي لعبد دخل في طاعتي للتجربة والتسويف . تواضع لمن تعلَّمه ولا تطاول على المريدين فلو علم أهل محبّتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضا يمشون عليها ، يا داود لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندي جهبذا ومن كتبته جهبذا لا يكون عليه وحشة ولا فاقة إلى المخلوقين ، يا داود تمسّك بكلامي وخذ من نفسك لنفسك ولا تؤمننّ منها فتحجب عن محبّتي لا تؤيس عبادي من رحمتي أقطع شهوتك لي فإنّما أبحت الشهوات لضعفة خلقي ، ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنّها تنقص حلاوة مناجاتي وإنّما عقوبة الأقوياء عندي في موضع التناول أدنى ما يصل إليهم أن أحجب قلوبهم عنّي فإنّي لم أرض الدّنيا لحبيبي ونزهته عنها ، يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما يحجبك بسكره عن محبّتي أولئك قطَّاع الطريق على عبادي المريدين ، استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم وإيّاك والتجربة في الإفطار فإنّي يعجبني من الصوم إدمانه ، يا داود تحبّب إليّ بمعاداة نفسك بمنعها الشهوات أنظر إليك وترى الحجب بيني وبينك مرفوعة إنّما أداريك مداراة لتقوى على ثوابي إذا مننت به عليك وإنّي أخفيه عنك وأنت متمسّك بطاعتي . وأوحى اللَّه إلى داود يا داود لو يعلم المدبرون عنّي كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إليّ وتقطَّعت أوصالهم من محبّتي ، يا داود هذه إرادتي في المدبرين عنّي فكيف إرادتي في المقبلين عليّ ، يا داود أحوج ما يكون العبد إليّ إذا استغنى عنّي وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عنّي وأجلّ ما يكون عبدي إذا رجع إليّ .
فهذه الأخبار ونظائرها ممّا لا يحصى تدلّ على إثبات المحبّة والشوق والأنس وأمّا تحقيق معناها فينكشف بما سبق .
أقول : وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السّلام قال : « المشتاق لا يشتهي طعاما ولا يلتذّ شرابا ولا يستطيب رقادا ولا يأنس حميما ولا يأوي دارا ولا يسكن عمرانا ولا يلبس لينا ولا يقرّ قرارا ، ويعبد اللَّه ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ما يشتاق إليه ويناجيه بلسان شوقه معبّرا عمّا في سريرته كما أخبر اللَّه عن موسى بن عمران عليه السّلام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 62
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦٢