تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧

لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه ، فقلت : يا ربّ تهت في حبّك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلَّمني ما أقول فقال : قل : « اللَّهمّ رضّني بقضائك وصبّرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك » فإذن هذا الشوق يسكن في الآخرة ، وأمّا الشوق الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية في الدّنيا ولا في الآخرة إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال اللَّه وصفاته وأحكامه وأفعاله ما هو معلوم للَّه وهو محال لأنّ ذلك لا نهاية له ولا يزال العبد عالما بأنّه بقي من الجمال والجلال ما لم يتّضح له فلا يسكن قطَّ شوقه لا سيّما من يرى فوق درجته درجات كثيرة لأنّه يتشوّف إلى استكمال الوضوح مع حصول أصل الوصال فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ولا يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية فلا يزال النعيم واللَّذة متزايدا أبد الآباد ويكون لذّة ما يتجدّد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدّنيا أصلا فإنّ ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حدّ لا يتضاعف ولكن يكون مستمرّا على الدّوام وقوله تعالى : « نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا » ( 1 ) محتمل لهذا المعنى وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزوّد من الدّنيا أصل النور ، ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في عين ما استنار في الآخرة استنارة محتاجة إلى زيادة الاستكمال والإشراق ليكون هذا هو المراد بتمامه ، وقوله تعالى : « انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا » ( 2 ) يدلّ على أنّ الأنوار لا بدّ أن يتزوّد أصلها في الدّنيا ثمّ يزداد في الآخرة إشراقا ، فأمّا أن يتجدّد نور يتلألأ فلا والحكم في هذا برجم الظنون مخطر ، ولم ينكشف لنا بعد فيه ما يوثق به فنسأل اللَّه تعالى أن يزيدنا علما ورشدا ويرينا الحقّ حقّا فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه . وأمّا شواهد الأخبار والآثار فهي أكثر من أن تحصى فمنها ما اشتهر من دعاء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه كان يقول : « اللَّهمّ إنّي أسألك الرّضا بعد القضاء ، وبرد العيش

هامش
( 1 ) التحريم : 8 .
( 2 ) الحديد : 13 .