خياله فيشتاق إلى استكمال خياله بالرّؤية فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتّى نسيه لم يتصوّر أن يشتاق إليه ولو رآه لم يتصوّر أن يشتاق إلى معرفته في وقت الرّؤية فمعنى شوقه تشوّف نفسه إلى استكمال خياله ، ولذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته فيشتاق إلى استكمال رؤيته ، وتمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه ، والثاني أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ولا سائر محاسنه مثلا ولا سائر أعضائه فيشتاق إلى رؤيته ولو لم يرها قطَّ ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرّؤية ولكنّه يعلم أنّ له عضوا وأعضاء جميلة ولم يدرك تفصيل جمالها بالرّؤية فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قطَّ والوجهان جميعا متصوّران في حقّ اللَّه بل هما لازمان بالضرورة لكلّ العارفين فإنّ ما اتّضح للعارفين من الأمور الإلهيّة وإن كان في غاية الوضوح فكأنّه من وراء ستر رقيق فلا يكون متّضحا غاية الاتّضاح بل يكون مشوبا بشوائب التخيّلات فإنّ الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل والمحاكاة لجميع المعلومات وهي مكدّرات للعارف ومنغصات ، وكذلك ينضاف إليها شواغل الدّنيا فإنّما كمال الوضوح بالمشاهدة وتمام إشراق التجلَّي ولا يكون ذلك إلا في الآخرة وذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنّه منتهى محبوب العارفين فهذا هو أحد نوعي الشوق وهو استكمال الوضوح فيما اتّضح اتّضاحا مّا ، الثاني أنّ الأمور الإلهيّة لا نهاية لها وإنّما ينكشف لكلّ عبد من العباد بعضها وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة ، والعارف يعلم وجودها وكونها معلومة للَّه ويعلم أنّ ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر ممّا حضر فلا يزال متشوّفا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل له ممّا بقي من المعلومات الَّتي لم يعرفها أصلا لا معرفة واضحة ولا معرفة غامضة والشوق الأوّل ينتهي في الدّار الآخرة بالمعنى الَّذي يسمّى رؤية ولقاء ومشاهدة ولا يتصوّر أن يسكن في الدّنيا وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال : قلت ذات يوم : يا ربّ إن أعطيت أحدا من المحبّين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضرّ بي القلق ، قال : فرأيت في النوم كأنّه أوقفني بين يديه وقال : يا إبراهيم أما استحييت منّي أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 56
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٦