تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدّلالة ولكن دلالته عامّة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورثت شدّة الظهور خفاء ، فهذا هو السبب في قصور الأفهام ، وأمّا من قويت بصيرته ولم تضعف منّته فإنّه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا اللَّه ولا يعرف غيره ويعلم أنّه ليس في الوجود إلا اللَّه وأفعاله ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له فلا جرم لا وجود لها بالحقيقة دونه وإنّما الوجود الواحد الحقّ الَّذي به وجود الأفعال كلَّها ، ومن هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنّه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ينظر فيه من حيث إنّه صنع الواحد الحقّ ، فلا يكون نظره مجاوزا إلى غيره ، كمن نظر في شعر إنسان أو خطَّه أو تصنيفه ورأى آثاره من حيث إنّها آثاره لا من حيث إنّه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنّف ، فكلّ العالم تصنيف اللَّه تعالى فمن نظر إليه من حيث إنّه فعل اللَّه وعرفه من حيث إنّه فعل اللَّه وأحبّه من حيث إنّه فعل اللَّه لم يكن ناظرا إلا في اللَّه ولا عارفا إلا باللَّه ولا محبّا إلا له ، وكان هو الموحّد الحقّ الَّذي لا يرى إلا اللَّه بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنّه عبد اللَّه فهذا هو الَّذي يقال فيه إنّه فنى في التوحيد وأنّه فنى من نفسه وإليه الإشارة بقول من قال : كنّا بنا ففنينا عنّا فبقينا بلا نحن . فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت على ضعفاء الأفهام وإشكالها إمّا لضعف الأفهام أو لاشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أنّ بيان ذلك لغيرهم ممّا لا يعنيهم فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة اللَّه تعالى ، وانضمّ إليه أنّ المدركات كلَّها الَّتي هي شاهدة على اللَّه إنّما يدركها الإنسان في الصّبي عند فقد العقل ثمّ تبدو فيه غريزة العقل قليلا وهو مستغرق الهمّ بشهواته ، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال اللَّه خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال : سبحان اللَّه ، وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 54 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري