تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
هو اللَّه تعالى لمعنى لا نفهمه إلا بمثال وهو أنّا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيّا عندنا من أظهر الموجودات فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للكتابة والخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وحلمه وصحّته ومرضه وكلّ ذلك لا نعرفه وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشكّ فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنّه جليّ عندنا من غير أن يتعلَّق حسّ البصر بحياته وقدرته وإرادته فإنّ هذه الصفات لا تحسّ بشيء من الحواسّ الخمس ثمّ لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته فلو نظرنا إلى كلّ ما في العالم سواه لم نعرف به صفاته فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جليّ واضح ووجود اللَّه وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضّرورة كلّ ما نشاهده وندركه بالحواسّ الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وماء وأرض وكوكب وبرّ وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض ، بل أوّل شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأوصافنا وتقلَّب أحوالنا وتغيّر قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا وأشهر الأشياء في علمنا أنفسنا ، ثمّ محسوساتنا بالحواسّ الخمس ثمّ مدركاتنا بالبصيرة والعقل وكلّ واحد من هذه المدركات لها مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد ، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلَّة شاهدة بوجود خالقها ومدبّرها ومصرّفها ومحرّكها ودالَّة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته والموجودات المدركة لا حصر لها ، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس يشهد له إلا شاهد واحد وهو ما أحسسنا به من حركة يده فكيف لا يظهر عندنا من لا يتصوّر في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله إذ كلّ ذرّة فإنّها تنادي بلسان حالها أنّه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وأنّها تحتاج إلى موجد ومحرّك لها يشهد بذلك أوّلا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ومنابت شعورنا وتشكَّل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة فإنّا نعلم أنّها لم تأتلف بنفسها كما نعلم أنّ يد الكاتب لم تتحرّك بنفسها ولكن لمّا لم يبق
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 52 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري