مال إليه قلبه أكثر من ميله الأوّل لأنّه تضاعفت معرفته بعلمه وكذلك يعتقد الرّجل في الشاعر أنّه حسن الشعر فيحبّه ، فإذا سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حبّا وكذا سائر الصناعات والفضائل فالعاميّ قد يسمع أنّ فلانا مصنّف وأنّه حسن التصنيف ولكن لا يدري ما في التصنيف فيكون له معرفة مجملة ويكون له بحسبه ميل مجمل ، والبصير إذا فتّش عن التصانيف واطَّلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبّه لا محالة لأنّ عجائب الصنعة والشعر والتصنيف تدلّ على كمال صفات الفاعل والمصنّف ، والعالم بجملته صنع اللَّه وتصنيفه والعاميّ يعلم ذلك ويعتقده ، وأمّا البصير فإنّه يطالب تفصيل صنع اللَّه تعالى فيه حتّى يرى في البعوض مثلا من عجائب صنعه وما ينبهر به عقله ويتحيّر فيه لبّه فيزداد بسببه لا محالة عظمة اللَّه وجلاله وكمال صفاته في قلبه فيزداد له حبّا فكلَّما ازداد على أعاجيب صنع اللَّه اطَّلاعا استدلّ به على عظمة الصانع وجلاله وازداد به معرفة وله حبّا وبحر هذه المعرفة أعني معرفة عجائب صنع اللَّه لا ساحل له فلا جرم تفاوت أهل المعرفة في الحبّ لا حصر له وممّا يتفاوت بسببه الحبّ أيضا اختلاف الأسباب الخمسة الَّتي ذكرناها للحبّ فإنّ من يحبّ اللَّه مثلا لكونه محسنا إليه ومنعما عليه ولم يحبّه لذاته ضعفت محبّته إذ تتغيّر بتغيّر الإحسان فلا يكون حبّه في حالة البلاء كحبّه في حالة الرّخاء والنعماء ، وأمّا من يحبّه لذاته أو لأنّه مستحقّ للحبّ بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته فإنّه لا يتفاوت حبّه بتفاوت الإحسان إليه فهذا وأمثاله هو سبب تفاوت الناس في المحبّة والتفاوت في المحبّة هو سبب التفاوت في سعادة الآخرة ولذلك قال تعالى : « وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا » ( 1 ) . * ( بيان السبب في قصور افهام الخلق عن معرفة اللَّه عزّ وجلّ ) * اعلم أنّ أظهر الموجودات وأجلاها هو اللَّه عزّ وجلّ وكان هذا يقتضي أن يكون معرفته أوّل المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول وترى الأمر بالضدّ من ذلك فلا بدّ من بيان السبب فيه ، وإنّما قلنا : إنّ أظهر الموجودات وأجلاها
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 51
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥١
هامش
( 1 ) الاسراء : 21 .