فاعتبر بهذه اللَّمعة اليسيرة من محقّرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت الأرض والسماوات فإنّ القدر الَّذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به علم العلماء والأنبياء ولا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلَّهم إلى ما استأثر اللَّه عزّ وجلّ بعلمه بل كلّ ما عرفه الخلق لا يستحقّ أن يسمّى علما في جنب علم اللَّه تعالى ، فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين وبزيادة المعرفة يزداد المحبّة فإن كنت طالبا سعادة لقاء اللَّه تعالى فانبذ الدّنيا وراء ظهرك واستغرق العمر في الفكر الدّائم والذّكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ولكن تنال بذلك القدر اليسير ملكا عظيما لا آخر له . * ( بيان السبب في تفاوت النّاس في الحبّ ) * اعلم أنّ المؤمنين مشتركون في أصل المحبّة لاشتراكهم في أصل الإيمان ولكنّهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حبّ الدّنيا إذ الأشياء إنّما تتفاوت بتفاوت أسبابها وأكثر الناس ليس لهم من معرفة اللَّه إلا الصفات والأسماء الَّتي قرعت أسماعهم فتلقّنوها وحفظوها وربّما تخيّلوا لها معاني يتعالى عنها ربّ الأرباب وربّما لم يطَّلعوا على حقيقتها ولا تخيّلوا لها معنى فاسدا بل آمنوا بها إيمان تسليم وتصديق واشتغلوا بالعمل وتركوا البحث وهؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين والمتخيّلون هم الضالَّون والعارفون بالحقائق هم المقرّبون وقد ذكر اللَّه عزّ وجلّ حال الأصناف الثلاثة في قوله : « فأمّا إن كان من المقرّبين . فروح وريحان وجنّة نعيم - الآيات » ( 1 ) وإذا كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحبّ مثالا فنقول : أصحاب إمام مثلا يشتركون في حبّ ذلك الإمام ، العلماء منهم والعوام لأنّهم يشتركون في معرفة فضله ودينه وحسن سيرته ومحامد خصاله ولكنّ العامّيّ يعرف علمه مجملا والفقيه يعرفه مفصّلا فيكون معرفة الفقيه به أتمّ وإعجابه به وحبّه له أشدّ فمن رأى تصنيف مصنّف فاستحسنه وعرف به فضله أحبّه لا محالة ومال إليه قلبه ، فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه وأعجب تضاعف لا محالة حبّه و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 50
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٠
هامش
( 1 ) الواقعة : 87 و 89 .