في واحد منها ، ثمّ كيف قوّاه حتّى يغرز فيه الخرطوم وكيف علَّمه المصّ والتجرّع للدّم وكيف خلق الخرطوم مع دقّته مجوّفا حتّى يجري فيه الدّم الصافي الرقيق وينتهي إلى باطنه وينتشر في سائر أجزائه ومعدته ، ثمّ كيف عرّفه أنّ الإنسان يقصده بيده فعلَّمه حيلة الهرب واستعمال آلته ، وخلق له السمع الَّذي يسمع به خفيف حركة اليد وهي بعد بعيدة منه فيترك المصّ ويهرب ، ثمّ إذا سكنت اليد عاد ثمّ انظر كيف خلق له حدقتين حتّى يبصر مواضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه وانظر إلى أنّ حدقة كلّ حيوان صغير لمّا لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار خلق للبعوض والذّباب يدين فتنظر إلى الذّباب فتراه على الدّوام يمسح حدقتيه بيديه وأمّا الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتّى ينطبق أحدهما على الآخر وأطرافهما حادّة فيجمع الغبار الَّذي يلحق الحدقة ويرميها إلى أطراف الأهداب ، وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين وتعين على الإبصار وتحسن صورة العين ولتشبّكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب واشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الإبصار ، وأمّا البعوض فخلق له حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلَّمه كيفيّة التصقيل باليدين ولأجل ضعف أبصارها تراه تتهافت على السّراج لأنّ بصره ضعيف فهو يطلب ضوء النهار فإذا رأي المسكين ضوء السّراج باللَّيل ظنّ أنّه في بيت مظلم وأنّ السراج كوّة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء ويرمي بنفسه إلى الكوّة فإذا جاوزه ورأى الظلام ظنّ أنّه لم تصب الكوّة ولم يقصدها على السداد فيعود إليه مرّة أخرى ، إلى أن يحترق فلعلَّك تظنّ أن هذا لنقصانها وجهلها ، فاعلم أنّ جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمي في الإكباب على شهوات الدّنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذ يلوح للآدمي أنوار الشهوات من الدّنيا من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أنّ تحتها السمّ الناقع القاتل فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيّد بها ويهلك هلاكا مؤبّدا فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش فإنّها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلَّصت في
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 48
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٨