تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥

القلب وهو أحد ركني المحبّة وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام : « الطَّهور شطر الإيمان » ( 1 ) كما ذكرناه في أوّل كتاب الطهارة . السبب الثاني : لقوّة المحبّة قوّة معرفة اللَّه واتّساعها واستيلاؤها على القلب ، وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدّنيا وعلائقها وذلك يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيس وهو الشطر الثاني ، ثمّ يتولَّد من هذا البذر شجرة المحبّة والمعرفة وهي الكلمة الطيّبة الَّتي ضرب اللَّه بها مثلا حيث قال : ومثل « كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء » ( 2 ) وإليها الإشارة بقوله تعالى : « إليه يصعد الكلم الطيّب ( أي المعرفة ) والعمل الصّالح يرفعه » ( 3 ) فالعمل الصالح كالحمّال لها وكالخادم وإنّما العمل الصّالح كلَّه في تطهير القلب أوّلا من الدّنيا ثمّ في إدامة طهارته ، فلا يراد العمل إلا لهذه المعرفة وأمّا العلم بكيفيّة العمل فيراد للعمل ، فالعلم هو الأوّل وهو الآخر وإنّما الأوّل علم المعاملة وغرضه العمل وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتّضح فيه جليّة الحقّ ويتزيّن بعلم المعرفة وهو علم المكاشفة ومهما حصلت هذه المعرفة تبعها المحبّة بالضرورة كما أنّ من كان معتدل المزاج إذا أبصر الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبّه ومال إليه ومهما أحبّه حصلت اللَّذّة فاللَّذّة تتبع المحبّة بالضرورة والمحبّة تتبع المعرفة بالضرورة ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدّنيا من القلب إلا بالفكر الصافي والذّكر الدّائم والجدّ البالغ في الطلب والنظر المستمرّ في اللَّه وفي صفاته وملكوت سماواته وسائر مخلوقاته ، والواصلون إلى هذه الرّتبة ينقسمون إلى أقوياء ويكون أوّل معرفتهم باللَّه تعالى ثمّ به يعرفون غيره وإلى ضعفاء فيكون أوّل معرفتهم بالأفعال ثمّ يترقّون منها إلى الفاعل وإلى الأوّل الإشارة بقوله تعالى : « أو لم يكف بربّك أنّه على كلّ شيء شهيد » ( 4 ) وبقوله :

هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 1 ص 140 وقد تقدم .
( 2 ) إبراهيم : 29 .
( 3 ) فاطر : 11 .
( 4 ) فصلت : 53 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 45 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري