« شهد اللَّه أنّه لا إله إلا هو » ( 1 ) ومنه نظر بعضهم حيث قيل له : بم عرفت ربّك ؟ فقال : عرفت ربّي بربّي ، ولولا ربّي لما عرفت ربّي ، وإلى الثّاني الإشارة بقوله : « سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم » ( 2 ) وبقوله : « أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض » ( 3 ) وبقوله : « قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض » ( 4 ) وبقوله : « الَّذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور . ثمّ ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير » ( 5 ) وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين وإليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتّدبّر والتّذكَّر والتفكَّر والاعتبار والنظر في آيات خارجة عن الحصر . فإن قلت : كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يتوصّل به إلى تحصيل المعرفة والتوصّل به إلى المحبّة . فاعلم أنّ الطَّريق الأعلى هو الاستشهاد بالحقّ سبحانه على سائر الخلق فهو غامض والكلام فيه خارج عن حدّ فهم أكثر الخلق فلا فائدة في إيراده في الكتب . وأمّا الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حدّ الافهام وإنّما قصرت الأفهام عنها لإعراضها عن التدبّر واشتغالها بشهوات الدّنيا وحظوظ النّفس والمانع من ذكر هذا اتّساعه وكثرته وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية إذ ما من ذرّة من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب وآيات تدلّ على كمال قدرة اللَّه عزّ وجلّ وكمال حكمته ومنتهى جلاله وعظمته وذلك ممّا لا يتناهى « قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي » فالخوض فيه انغماس في بحار علوم المكاشفة فلا يمكن أن يتطفّل به على علوم المعاملة ولكن يمكن الرّمز إليه بمثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول : أسهل الطَّريقين النظر إلى الأفعال فلنتكلَّم فيها ولنترك الأعلى ، ثمّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 46
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٦
هامش
( 1 ) آل عمران : 16 .
( 2 ) فصلت : 53 .
( 3 ) الأعراف : 184 .
( 4 ) يونس : 101 .
( 5 ) الملك : 3 و 4 .