في جهنّم تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم سبعون مرّة أعدّه اللَّه تعالى للقرّاء المرائين ( 1 ) » فهذه سعة جهنّم وانشعاب أوديتها ، وهي بحسب أودية الدّنيا وشهواتها وعدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة الَّتي بها يعصي العبد ، بعضها فوق بعض ، الأعلى جهنّم ، ثمّ سقر ، ثمّ لظى ، ثمّ الحطمة ، ثمّ السعير ، ثمّ الجحيم ، ثمّ الهاوية ، فانظر الآن في عمق الهاوية فإنّه لا حدّ لعمقها كما لا حدّ لعمق شهوات الدّنيا ، فكما لا ينتهى أرب من الدّنيا إلا إلى أرب أعظم منه فلا تنتهي هاوية من جهنّم إلا إلى هاوية أعمق منها . قيل : « كنّا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فسمعنا وجبة فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أتدرون ما هذا ؟ قلنا : اللَّه ورسوله أعلم ، فقال : هذا حجر أرسل في جهنّم منذ سبعين عاما الآن حين انتهى إلى قعرها ( 2 ) » ثمّ انظر إلى تفاوت الدّركات فإنّ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفصيلا فكما أنّ إكباب النّاس على الدّنيا متفاوت فمن منهمك مستكبر كالغريق فيها ومن خائض فيها إلى حدّ محدود فكذلك تناول النّار لهم متفاوت فإنّ اللَّه لا يظلم مثقال ذرّة فلا تترادف أنواع العذاب على كلّ من في النّار كيفما كان بل لكلّ واحد منهم حدّ معلوم على قدر عصيانه وذنبه إلا أنّ أقلَّهم عذابا لو عرضت عليه الدّنيا بحذافيرها لافتدى بها من شدّة ما هو فيه قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « إنّ أدنى أهل النّار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه ( 3 ) » فانظر الآن إلى من خفّف عليه واعتبر به من شدّد عليه ، ومهما شككت في شدّة عذاب النّار فقرّب أصبعك من النّار وقس به ذلك ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 356
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥٦
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 256 وابن عدي من حديث أبي هريرة ورواه البيهقي باسناد حسن كما في الترغيب والترهيب ج 4 ص 468 .
( 2 ) روى نحوه مسلم ج 8 ص 150 وراجع الترغيب والترهيب ج 4 ص 470 .
( 3 ) رواه البغوي في المصابيح ج 2 ص 222 من حديث أبي هريرة بأدنى اختلاف في اللفظ ورواه أحمد والبزار ورواته رواة الصحيح كما في الترغيب والترهيب ج 4 ص 487 . . وأخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 581 وقال صحيح ، ورواه مسلم ج 1 ص 135 واللفظ له .