تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥

لباسهم نار ، ومهادهم نار ، فهم بين مقطَّعات النيران وسرابيل القطران ، وضرب المقامع ، وثقل السلاسل ، فهم يتجلجلون في مضائقها ، ويتحطَّمون في دركاتها ، ويضطربون بين غواشيها ، تغلي بهم النّار كغلي القدور ، ويهتفون بالويل والعويل والثبور ، ومهما دعوا بالثبور صبّ من فوق رؤسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، تهشم بها هامّهم ، فيتفجّر الصديد من أفواههم ، وتتقطَّع من العطش أكبادهم ، وتسيل على الخدود أحداقهم ، ويسقط من الوجنات لحومها ، ويمتعط من الأطراف شعورها [ 1 ] بل جلودها وكلَّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها ، قد عريت من اللَّحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب وهي تنشّ في لفح تلك النيران [ 2 ] وهم مع ذلك يتمنّون الموت فلا يموتون فكيف بك لو نظرت إليهم وقد اسودّت وجوههم أشدّ سوادا من الحمم [ 3 ] وأعميت أبصارهم ، وأبكمت ألسنتهم ، وقصمت ظهورهم ، وكسرت عظامهم ، وجدعت آذانهم ، ومزّقت جلودهم ، وغلَّت أيديهم إلى أعناقهم ، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم ، وهم يمشون على النّار بوجوههم ويطئون حسك الحديد بأحداقهم ، فلهيب النّار سار في بواطن أجزائهم ، وحيّات الهاوية وعقاربها متشبّثة بظواهر أعضائهم ، هذه جملة أحوالهم فانظر الآن في تفصيل أهوالهم وتفكَّر أوّلا في أودية جهنّم وشعابها ، فقد قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ في جهنّم سبعين ألف واد ، في كلّ واد سبعون ألف شعب ، في كلّ شعب سبعون ألف ثعبان ، وسبعون ألف عقرب ، لا ينتهي الكافر والمنافق حتّى يواقع ذلك كلَّه ( 1 ) » . وقال عليّ عليه السّلام : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « تعوّذوا باللَّه من جبّ الحزن أو وادي الحزن ، قيل : يا رسول اللَّه : وما وادي الحزن أو جبّ الحزن ؟ قال : واد

هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجده هكذا بجملته .
[ 1 ] تمعط وامتعط شعره أي تساقط من داء ونحوه . [ 2 ] النشيش : صوت الماء إذا غلى ولفح النار : احراقها . [ 3 ] الحمم : الفحم ويقال له بالفارسية ( ذغال ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 355 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري