وعرقها وشدّة عظائمها إذ نزلت ملائكة من أرجاء السماوات بأجسام عظام وأشخاص ضخام غلاظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصي المجرمين إلى موقف العرض على الجبّار قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ للَّه عزّ وجلّ ملكا ما بين شفري عينيه مسيرة خمسمائة عام ( 1 ) » فما ظنّك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدّة اليوم ، مستشعرين ممّا بدا من غضب الجبّار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبيّ ولا صديق ولا صالح إلا ويخرّون لأذقانهم خوفا من أن يكونوا هم المأخوذين ، فهذا حال المقرّبين فما ظنّك بالعصاة المجرمين وعند ذلك يبادر أقوام من شدّة الفزع فيقولون للملائكة : أفيكم ربّنا وذلك لعظم موكبهم وشدّة هيبتهم فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزّهين لمليكهم عمّا توهّمه أهل الأرض وقالوا : سبحان ربّنا ما هو فينا ولكنّه آت من بعد وعند ذلك تقوم الملائكة صفّا محدقين بالخلائق من الجوانب ، وعلى جميعهم شعار الذّلّ والخشوع وهيئة الخوف والمهابة لشدّة اليوم وعند ذلك يصدق اللَّه تعالى قوله : « فلنسئلنّ الَّذين أرسل إليهم ولنسئلنَّ المرسلين . فلنقصّنَّ عليهم بعلم وما كنّا غائبين ( 2 ) » « فوربّك لنسألنّهم أجمعين . عمّا كانوا يعملون ( 3 ) » فيبدأ بالأنبياء وذلك قوله تعالى : « يوم يجمع الله الرُّسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا ( 4 ) » فيا لشدّة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء وتنمحي علومهم من شدّة الهيبة إذ يقال لهم : ما ذا أجبتم ؟ وقد أرسلتم إلى الخلائق وكانوا قد علموا ، فتدهش عقولهم فلا يدرون بما ذا يجيبون ، فيقولون من شدّة الهيبة : « لا علم لنا إنّك أنت علام الغيوب » وهم في ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن يقوّيهم اللَّه تعالى فيدعى نوح فيقال له : هل بلَّغت ؟ فيقول : نعم ، فيقال لامّته : هل بلَّغكم ؟ فيقولون : ما أتانا من نذير . ويؤتى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 333
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٣
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أره بهذا اللفظ .
( 2 ) الأعراف : 5 و 6 .
( 3 ) الحجر : 93 و 94 .
( 4 ) المائدة : 109 .