والشهادة وهو حجاب عن عالم الملكوت ، ومعنى النوم أن تركد الحواسّ عليه فلا تورد على القلب فإذا تخلَّص منه ومن الخيال وكان صافيا في جوهره ارتفع الحجاب بينه وبين اللَّوح المحفوظ فوقع في قلبه شيء ممّا في اللَّوح كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما إلا أنّ النّوم مانع لسائر الحواسّ عن العمل وليس مانعا للخيال عن عمله وعن تحرّكه فما يقع في القلب يتبدّره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون المتخيّلات أثبت في الحفظ من غيرها فيبقى الخيال في الحفظ فإذا انتبه لم يتذكَّر إلا الخيال فيحتاج المعبّر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أيّ معنى من المعاني فيرجع إلى المعاني بالمناسبة الَّتي بين المتخيّل والمعاني ، وأمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ويكفيك في ذلك مثال واحد وهو أنّ رجلا قال لابن سيرين : رأيت كأنّ بيدي خاتما أختم به أفواه الرّجال وفروج النساء ؟ فقال : أنت مؤذّن تؤذّن قبل الصّبح في رمضان فقال : صدقت ، فانظر أنّ روح الختم هو المنع ولأجله يراد الختم وإنّما ينكشف للقلب حال الشخص من اللَّوح المحفوظ كما هو عليه وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ولكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم فتمثّله بالصّورة الخياليّة الَّتي تتضمّن روح المعنى ولا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخياليّة . فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الَّتي لا تنحصر عجائبه وكيف لا وهو أخو الموت ، وإنّما الموت هو عجب من العجائب وهذا لأنّه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب حتّى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل فما ذا ترى في الموت الَّذي يخرق الحجاب ويكشف الغطاء بالكلَّيّة حتّى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إمّا محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح - نعوذ باللَّه من ذلك - وإمّا محفوفة بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له ، وعند هذا يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء : « لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ( 1 ) » ويقال : « أفسحرٌ هذا أم أنتم لا تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنّما تجزون ما كنتم تعملون ( 2 ) »
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 315
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٥
هامش
( 1 ) ق : 22 .
( 2 ) الطور : 15 و 16 .