تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧

مال قطَّ ولا جاه قطَّ فكنت لا أتأذّى بفراقه ، فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدّنياويّة كلَّها دفعة واحدة . ما حال من كان له واحد * غيّب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدّنيا فتؤخذ منه الدّنيا وتسلَّم إلى أعدائه ، ثمّ ينضاف إلى هذا العذاب تحسّره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن اللَّه فإنّ حبّ غير اللَّه يحجب عن لقاء اللَّه والتنعّم به فيتوالى عليه ألم الفراق لجميع محبوباته وحسرته على ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد وذلّ الرّدّ والحجاب عن اللَّه تعالى وذلك هو الَّذي يعذّب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنّم كما قال تعالى : « كلا إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون . ثمَّ إنّهم لصالوا الجحيم » ( 1 ) وأمّا من لم يأنس بالدّنيا ولم يحبّ إلا اللَّه وكان مشتاقا إلى لقاء اللَّه فقد تخلَّص من سجن الدّنيا ومقاساة الشهوات فيها ، وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصّوارف ، وتوفّر عليه النعيم مع الأمن من الزّوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون ، والمقصود أنّ الرّجل قد يحبّ فرسه بحيث لو خيّر بين أن يؤخذ منه وبين أن يلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من لدغ عقرب وحبّه للفرس هو الَّذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعدّ لهذه اللَّدغات فإنّ الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبّاءه ومعارفه ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييئس عن رجوع جميع ذلك إليه فإذا لم يحبّ سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب والحيّات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حيّ فيعظم عقابه ، فكذلك إذا مات لأنّا قد بيّنّا أنّ المعنى الَّذي هو المدرك للآلام واللَّذّات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشدّ لأنّه في الحياة يتسلَّى عنها بأسباب يشتغل بها حواسّه من مجالسة ومحادثة ويتسلَّى برجاء العود إليه ويتسلَّى برجاء العوض منه ، ولا سلوة بعد الموت إذ قد انسدّ عليه طرق التسلَّي وحصل اليأس ، فإذا كلّ قميص له ومنديل وغيره ممّا كان قد أحبه بحيث كان يشقّ

هامش
( 1 ) المطففين : 15 و 16 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 307 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري