عليه لو أخذ منه فإنّه يبقى متأسّفا عليه ومعذّبا به ، فإن كان مخفّفا في الدّنيا سلم وهو المعنى بقولهم « نجا المخفّون » وإن كان مثقّلا عظم عذابه ، وكما أنّ حال من سرق منه دينار أخفّ من حال من سرق منه عشرة دنانير فكذلك حال صاحب الدّرهم أخفّ من حال صاحب الدّرهمين ، وهو المعنى بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « صاحب الدّرهم أخفّ حسابا من صاحب الدّرهمين » ( 1 ) وما من شيء من الدّنيا يتخلَّف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر وإن شئت فاستقلل ، فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست تخفّف إلا ظهرك وإنّما تكثر الحيّات والعقارب في قبور الأغنياء الَّذين استحبّوا الحياة الدّنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنّوا إليها . فهذه مقامات الإيمان في حيّات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه ، رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام فقال له : يا بنيّ عظني قال : لا تخالف اللَّه تعالى فيما يريد ، قال : يا بنيّ زدني قال : يا أبه لا تطيق ، قال : بلى ، قال : لا تجعل بينك وبين اللَّه قميصا ، قال : فما لبس قميصا ثلاثين سنة . فإن قلت : فما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة ؟ فاعلم أنّ في الناس من لم يثبت إلا الأوّل وأنكر ما بعده ، ومنهم من أنكر الأوّل وأثبت الثاني ، ومنهم من لم يثبت إلا الثالث ، وإنّما الحقّ الَّذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أنّ كلّ ذلك في حيّز الإمكان وأنّ من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتّساع قدرة اللَّه سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من أفعال اللَّه ما لم يأنس به ولم يألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب وربّ عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع وربّ عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ باللَّه من عذاب القبر قليله وكثيره هذا هو الحقّ فصدّق به تقليدا ، فيعزّ على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا ، والَّذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته ، بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيف ما كان ، فإن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 308
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٠٨
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .