سماويّ وإنّما الموت يغيّر أحوالها ويقطع شواغلها وعوائقها ويخلَّيها من حسبها فأمّا أن يعدمها فلا قال اللَّه تعالى : « ولا تحسبنّ الَّذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون . فرحين بما آتيهم اللَّه من فضله ويستبشرون بالَّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - الآية » ( 1 ) ولا تظننّ أنّ هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإنّ للعارف بكلّ نفس درجة ألف شهيد ، وفي الخبر « إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يردّ إلى الدّنيا فيقتل مرّة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة وأنّ الشهداء يتمنّون لو كانوا علماء لما يرون من علوّ درجة العلماء » ( 2 ) فإذن جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض ميدان للعارف يتبوّء منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك فيها بجسمه وشخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنّة عرضها السماوات والأرض وكلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا إلا أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر تفاوتهم في اتّساع نظرهم وسعة معارفهم وهم درجات عند اللَّه ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أنّ لذّة الرّئاسة وهي باطنة أقوى عند ذوي الكمال من لذّات الحواسّ كلَّها ، وأنّ هذه اللَّذّة لا تكون لبهيمة ولا لصبيّ ولا لمعتوه وإنّ لذّة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذّة الرّئاسة ولكن يؤثرون الرّئاسة فأمّا معنى كون معرفة اللَّه وصفاته وأفعاله وملكوت سماواته وأسرار ملكه أعظم لذّة من الرّئاسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأنّ القلب معدن هذه القوّة كما أنّه لا يثبت رجحان لذّة الوقاع على لذّة اللَّعب بالصولجان عند الصبيان ولا رجحانه على لذّة شمّ البنفسج عند العنّين لأنّه قد فقد الصفة الَّتي بها تدرك هذه اللَّذّة ، ولكن من سلم من آفة العنة وسلم حاسّة شمّه أدرك التفاوت بين اللَّذّتين وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال : من ذاق عرف ، ولعمري أنّ طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهيّة فقد استنشقوا رائحة هذه اللَّذّة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 31
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١
هامش
( 1 ) آل عمران : 163 و 164 .
( 2 ) متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم .