وقال عليه السّلام : « أكلَّكم يحبّ أن يدخل الجنّة ؟ قالوا : نعم يا رسول اللَّه قال : قصّروا من الأمل واجعلوا آجالكم بين أبصاركم واستحيوا من اللَّه حقّ الحياء ( 1 ) » . وكان عليه السّلام يقول في دعائه : « اللَّهمّ إنّي أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة ، وأعوذ بك من حياة تمنع خير المماة ، وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل ( 2 ) » . وقال سلمان الفارسي : « ثلاث أعجبتني حتّى أضحكتني مؤمّل الدّنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وضاحك ملء فيه لا يدري أساخط ربّ العالمين عليه أم راض عنه ، وثلاث أحزنتني حتّى أبكتني فراق الأحبّة محمّد وحزبه وهول المطَّلع والوقوف بين يدي ربّي لا أدري إلى الجنّة يؤمر بي أو إلى النّار » . وقال بعضهم : رأيت زرارة بن أبي أوفى في المنام بعد موته فقلت : أيّ الأعمال أبلغ عندكم ؟ قال : التوكَّل وقصر الأمل . * ( بيان السبب في طول الأمل وعلاجه ) * اعلم أنّ طول الأمل له سببان أحدهما الجهل والآخر حبّ الدّنيا أمّا حبّ الدّنيا فهو أنّه إذا أنس بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقلت على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الَّذي هو سبب مفارقتها وكلّ من كره شيئا دفعه عن نفسه والإنسان مشغوف بالأماني الباطنة فيمنّي نفسه أبدا بما يوافق مراده وإنّما يوافق مراده البقاء في الدّنيا فلا يزال يتوهّمه ويقرّره في نفسه ويقدّر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودوابّ وسائر أسباب الدّنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه فيلهو عن ذكر الموت ولا يقدّر قربه فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوّف ووعد نفسه وقال : الأيّام بين يديك فإلى أن تكبر ثمّ تتوب ، وإذا كبر فيقول : إلى أن تصير
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 246
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤٦
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل من حديث الحسن مرسلا ( المغني ) .
( 2 ) ابن أبي الدنيا فيه من رواية حوشب .