تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
اختلاف حالاتي وكثرة فوائدي أتظنّ أنّي تكوّنت بنفسي أو خلقني أحد من جنسي أو ما تستحي تنظر في كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف فتقطع بأنّها صنعة آدمي مريد عالم قادر متكلَّم ، ثمّ تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهيّة المرقومة على صفحات وجهي بالقلم الإلهي الَّذي لا تدرك الأبصار ذاته ولا حركته ولا اتّصاله بمحلّ الحظَّ ، ثمّ ينفكّ قلبك عن جلالة صانعه ، وتقول النطفة لأرباب السمع لا للَّذين هم عن السمع لمعزولون : توهّموني في ظلمة الأحشاء مغموسة في دم الحيض في الوقت الَّذي يظهر التخطيط والتصوير على وجهي فينقش النقّاش حدقتي وأجفاني ووجهي وخدّي وشفتي فترى النقوش تظهر شيئا فشيئا ولا ترى داخل النطفة نقّاشا ولا خارجها ولا داخل الرّحم ولا خارجه ولا خبر منها لا للأب ولا للأمّ ولا للنطفة ولا للرّحم أفما هذا النقّاش بأعجب ممّن تشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة لو نظرت إليها مرّة أو مرّتين لتعلَّمته فهل تقدر على أن تتعلَّم هذا الجنس من النقش الَّذي يعمّ ظاهر النطفة وباطنها وجميع أجزائها من غير ملامسة للنطفة ومن غير اتّصال بها لا من داخل ولا من خارج فإن كنت لا تتعجّب من هذه العجائب ولا تفهم بها أنّ الَّذي صوّر ونقش وقدّر لا نظير له ولا يساويه نقّاش ومصوّر كما أنّ نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع ، فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين ، وإن كنت لا تتعجّب من هذا فتعجّب من عدم تعجّبك فإنّه أعجب من كلّ عجب فإنّ الَّذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك التبيّن مع هذا البيان جدير بأن تتعجّب منه فسبحان من هدى وأضلّ وأغوى وأرشد وأشقى وأسعد وفتح بصائر أحبّائه فشاهدوه في جميع ذرّات العالم وأجزائه وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزّه وعلائه فله الخلق والأمر والامتنان والفضل واللَّطف والقهر ، لا رادّ لحكمه ولا معقّب لقضائه . ومن آياته الهواء اللَّطيف المحبوس بين مقعّر السّماء ومحدّب الأرض يدرك بحسّ اللَّمس عند هبوب الرّيح جسمه ولا يرى بالعين شخصه وجملته مثل البحر الواحد والطيور محلَّقة في جوّ السّماء مسفّة سبّاحة فيها بأجنحتها كما تسبح حيوانات
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 227 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري