تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
البهائم الأهليّة ترى فيها من العجائب ما لا تشكّ معها في عظمة خالقها وقدرة مقدّرها وحكمة مصوّرها وكيف يمكن أن يستقصى ذلك ، بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقّة [ 1 ] أو النملة أو النحلة أو العنكبوت وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها لزوجها وفي ادّخارها لنفسها وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى حاجاتها لم نقدر ، فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر فيطلب أوّلا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتّى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ، ثمّ يبتدي فيلقي اللَّعاب الَّذي هو خيطه على جانب ليلتصق به فيعدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ، ثمّ يحكم كذلك ثانيا وثالثا ويجعل بعد ما بينها متناسبا تناسبا هندسيا حتّى إذا أحكم معاقد القمط [ 2 ] ورتّب الخيوط كاللَّحمة فيشتغل بالتسدية فيلصق السدي إلى اللَّحمة ويحكم العقد على موضع التقاء السدي [ 3 ] باللَّحمة ويرعى في جميع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب ويقعد في زاوية مترصّدا لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع فيها بادر إلى أخذه وأكله فإن عجز عن الصّيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصله بين طرفي الزّاوية بخيط ثمّ علَّق نفسه منها بخيط آخر وبقي متنكَّسا في الهواء ينتظر ذبابة تطير فإذا طارت ذبابة رمى بنفسه إليها فأخذها وأحكم خيطه على رجلها وأحكمها ثمّ أكلها ، وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من هذه العجائب ما لا يحصى افترى أنّه تعلم هذه الصنعة من نفسه أو تكون بنفسه أو كوّنه آدمي أو علَّمه إذ لا هادي له ولا معلَّم أيشكّ ذو - بصيرة في أنّه مسكين عاجز ضعيف بل الفيل العظيم شخصه الظاهر قوّته عاجز عن أمر نفسه فكيف بهذا الحيوان الضّعيف أفلا يشهد هو بنفسه وشكله وصورته وحركته
هامش
[ 1 ] هي ما يقال له بالفارسية « پشه » . [ 2 ] القمط - بكسر القاف - : حبل تشد به قوائم الشاة للذبح . [ 3 ] السدي - بفتح السين - : ضد اللحمة وهو ما يمد طولا في النسج وأسديت الثوب بالألف أقمت سداه ، ولحمة الثوب ما ينسج عرضا .