ومن التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا وجعل به كلّ شيء حيّا [ 1 ] فأخرج به فنون الأشجار والنبات من حبّ وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمّان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والصّفات والأرائيح ففضّل بعضها على بعض في الأكل تسقى جميعا بماء واحد وتخرج من أرض واحدة ، فإن قلت :
إنّ اختلافها لاختلاف بذورها وأصولها فمتى كانت في النواة نخلة مطوّقة بعناقيد [ 2 ] الرّطب ومتى كانت في حبّة واحدة سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة ، ثمّ انظر إلى أراضي البوادي وفتّش ظاهرها وباطنها فترى بها ترابا متشابها فإذا أنزل عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كلّ زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا متشابها وغير متشابه ، لكلّ واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر ، فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ، ثمّ اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعها وكيف أودع اللَّه العقاقير المنافع الغريبة فهذا النبات يغذّي ، وهذا يقوّي ، وهذا يحيي ، وهذا يقتل ، وهذا يبرد ، وهذا يسخن ، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصّفراء من أعماق العروق ، وهذا يستحيل إلى الصّفراء ، وهذا يقمع البلغم والسّوداء ، وهذا يستحيل إليهما ، وهذا يستحيل دما ، وهذا يصفي الدّم ، وهذا يفرّح ، وهذا ينوّم ، وهذا يقوّي ، وهذا يضعّف فلم ينبت من الأرض ورقة ولا نبتة إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها وكلّ واحد منها يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص فالنخيل تؤبّر [ 3 ] والكرم يقطع والزّرع ينقّى منه الحشيش والدّغل [ 4 ]
هامش
[ 1 ] لعله مأخوذ من قوله تعالى « وجعلنا من الماء كل شيء حيّ » ولا يخفى ان معنى الآية أن اللَّه تعالى جعل كل شيء حي من الماء لا كل شيء حيا من الماء . وفي الاحياء طبعاته المختلفة بإيران ومصر والهند كلها « وجعل به كل شيء حي » وهو الصواب .
[ 2 ] جمع عنقود بمعنى خوشه .
[ 3 ] الآبار - بالكسر - هو إدخال شيء من طلع النخل الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن اللَّه . أبر النخلة وأبره - بالتشديد - أي لقحه وأصلحه .
[ 4 ] الدغل - محركة - : الشجر الكثير الملتف ، واشتباك النبت .