وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقرّبين ويحشر في زمرة النبيّين والصّدّيقين مقرّبا من حضرة ربّ العالمين ، وليست هذه الرّتبة للبهائم ولا للإنسان إذا رضي من الدّنيا بشهوات البهائم فإنّه شرّ من البهيمة بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك ، فأمّا هو فقد خلقت له القدرة ثمّ عطَّلها وكفّر نعمة اللَّه فيها ، فأولئك كالانعام بل هم أضلّ سبيلا ، وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكَّر في الأرض الَّتي هي مقرّك ثمّ في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ثمّ ارتفع منها إلى ملكوت السّماوات . أمّا الأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها وقورا لا تتحرّك وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد ، ثمّ وسّع أكنافها حتّى عجز الآدميّون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثر تطوافهم فقال تعالى : « والسّماء بنيناها بأيد وإنّا لموسعون . والأرض فرشناها فنعم الماهدون ( 1 ) » وقال تعالى : « هو الَّذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ( 2 ) » وقال : « الَّذي جعل لكم الأرض فراشا ( 3 ) » وقد أكثر في كتابه العزيز ذكر الأرض ليتفكَّر في عجائبها فظهرها مقرّ للأحياء وبطنها للأموات ، ولذلك قال تعالى : « ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا » [ 1 ] فانظر إلى الأرض وهي ميتة فإذا أنزل عليها الماء اهتزّت وربت واخضرّت وأنبتت عجائب النّبات وخرجت منها أصناف الحيوان ، ثمّ انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الرّاسيات الشوامخ الصّم الصلاب ، وكيف أودع المياه تحتها ففجّر العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وإنّما أخرج من الحجارة اليابسة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 221
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٢١
هامش
( 1 ) الذاريات : 48 .
( 2 ) الملك : 15 .
( 3 ) البقرة : 22 .
[ 1 ] المرسلات : 25 و 26 . وقوله تعالى « كفاتا » قال البيضاوي : أي كافئة ، اسم لما يكفت أي يضم ويجمع ، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع ، أو مصدر نعت به أو جمع كافت كصائم وصيام أو كفت وهو الوعاء أجرى على الأرض باعتبار أقطارها .