تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الأوّلون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق الفكر وجها آخر في وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربع وتفاوت الأربع في الطول وترتيبها في صفّ واحد لم يقدروا عليه إذ بهذا الترتيب صلحت إليه للقبض والإعطاء ، فإن بسطها كانت له طبقا يضع عليها ما يريد وإن جمعها كانت آلة للضرب وإن ضمّها ضمّا غير تامّ كانت مغرفة [ 1 ] وإن بسطها وضمّ أصابعها كانت مجرفة له [ 2 ] ، ثمّ خلق الأظفار على رؤسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتّى لا تنقطع وليلتقط بها الأشياء الدّقيقة الَّتي لا تتناولها الأنامل وليحكّ بها بدنه عند الحاجة فالظفر الَّذي هو أخسّ الأعضاء لو عدمه الإنسان وظهرت به حكَّة لكان أعجز الخلق وأضعفهم ولم يقم شيء مقامه في حكّ بدنه ، ثمّ هدى اليد إلى موضع الحكّ حتّى تمتدّ إليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحكّ إلا بعد تعب طويل ، ثمّ خلق هذا كلَّه في النطفة وهي في جوف الرّحم في ظلمات ثلاث ولو كشف الغطاء والغشاء وامتدّ البصر إليه لكان يرى التخطيط والتّصوير يظهر عليها شيئا فشيئا ولا يرى المصوّر ولا آلته فهل رأيت مصوّرا أو فاعلا لا يمس آلته مصنوعه ولا يلاقيه وهو يتصرّف فيها ، فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه ، ثمّ انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنّه لمّا ضاق الرّحم عن الصبيّ لمّا كبر كيف هداه السّبيل حتّى تنكَّس وتحرّك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنّه عاقل بصير بما يحتاج إليه ، ثمّ لمّا خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ، ثمّ لمّا كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبّر له في خلق اللَّبن اللَّطيف واستخرجه من بين الفرث والدّم خالصا سائغا ، وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللَّبن وأنبت لهما الحلمة [ 3 ] على قدر ما ينطبق عليه فم الصبيّ ، ثمّ فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيّقا جدّا حتّى لا يخرج اللَّبن إلا بعد المصّ
هامش
[ 1 ] مغرفة هي ما يقال لها بالفارسية « چمچه » . [ 2 ] جرف بالفارسي « كاويدن » ومجرفة بمعنى بيل است . [ 3 ] الحلمة - محركة - الثؤلول في وسط الثدي وهو الحبة على رأسه .