مكين ( 1 ) » وقال : « أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( 2 ) » وقال : « إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ( 3 ) » . ثمّ ذكر كيف جعل النّطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما وقال تعالى : « ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين . ثمّ خلقنا النطفة علقة - الآية » ( 4 ) فتكرار ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظها ويترك التأمّل في معناها فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة ولو تركت ساعة يضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها ربّ الأرباب من الصلب والترائب وكيف جمع بين الذّكر والأنثى ؟ وألقى الإلف والمحبّة في قلبهما ؟ وكيف قادهما بسلسلة المحبّة والشهوة إلى الاجتماع ؟ وكيف استخرج النطفة من الرّجل بحركة الوقاع ؟ وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الأرحام ؟ ثمّ كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذّاه وربّاه وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ، ثمّ كيف جعلها مضغة ، ثمّ كيف قسّم أجزاء النطفة وهي متشابهة متساوية إلى العظم والأعصاب والعروق والأوتار واللَّحم ، ثمّ كيف ركَّب من اللَّحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة فدوّر الرأس وشقّ السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ، ثمّ مدّ اليد والرّجل وقسم رؤسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل ثمّ كيف ركَّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرّية والرّحم والمثانة والأمعاء كلّ واحد على شكل مخصوص ، بمقدار مخصوص لعمل مخصوص ، ثمّ كيف قسم كلّ عضو من هذه الأعضاء بأقسام آخر فركَّب العين من سبع طبقات لكلّ طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها لتعطَّلت العين عن الإبصار ولو ذهبنا إلى نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لانقضت فيه الأعمار ، فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام قويّة صلبة كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثمّ جعلها قواما للبدن وعمادا له ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 214
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١٤
هامش
( 1 ) المرسلات : 20 و 21 .
( 2 ) يس : 77 .
( 3 ) الدهر : 2 .
( 4 ) المؤمنون : 12 و 13 و 14 .