فقد روي عن حبيبة العدويّة أنّها كانت إذا صلَّت العتمة قامت على سطح لها وشدّت عليها درعها وخمارها ثمّ قالت : إلهي قد غارت النجوم ونامت العيون وغلَّقت الملوك أبوابها وخلا كلّ حبيب بحبيبه وهذا مقامي بين يديك ، ثم أقبلت على صلاتها فإذا كان السحر وطلع الفجر قالت : إلهي هذا اللَّيل قد أدبر ، وهذا النهار قد أسفر فليت شعري أقبلت منّي ليلتي فأهنأ أو رددتها عليّ فأعزي وعزّتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني وعزّتك لو انتهرتني عن بابك ما برحته لما وقع في نفسي من جودك وكرمك . ويروى عن عجرة أنّها كانت تحيي اللَّيل وكانت مكفوفة البصر فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون : إليك قطع العابدون دجى اللَّيالي ، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك ، فبك يا إلهي أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أوّل زمرة السابقين وأن ترفعني لديك في علَّيّين في درجة المقرّبين وأن تلحقني بعبادك الصالحين فأنت أرحم الرّحماء وأعظم العظماء وأكرم الكرماء يا كريم ، فخرّت ساجدة فسمعت لها وجبة ثمّ لا تزال تدعو وتبكي إلى الفجر . وقال يحيى بن بسطام : كنت أشهد مجلس شعوانة ( 1 ) فكنت أرى ما تصنع من النياحة والبكاء فقلت لصاحب لي لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرّفق بنفسها قال أنت وذاك قال : فأتيناها فقلت لها : لو رفقت بنفسك وأقصرت عن هذا البكاء شيئا لكان ذلك أقوى على ما تريدين فبكت ثمّ قال : واللَّه لوددت أن أبكي حتّى تنفد دموعي ثمّ أبكي دما حتّى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي ، وأنّى لي بالبكاء وأنّى لي بالبكاء ، فلم تزل تردّد « وأنّى لي بالبكاء » حتّى غشي عليها . وقال محمّد بن معاذ : حدّثتني امرأة من المتعبّدات قالت : رأيت في منامي كأنّي أدخلت الجنّة فإذا أهل الجنّة قيام على أبوابها فقلت : ما شأن أهل الجنّة قياما ؟ فقال لي قائل : خرجوا ينظرون إلى هذه المرأة الَّتي زخرفت الجنان لقدومها قلت : ومن هذه المرأة ؟ قيل : أمة سوداء من أهل الأيلة يقال لها شعوانة قالت : فقلت : أختي
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 176
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٦
هامش
( 1 ) في طبقات الشعراني نبذ يسير من حالاتها فراجعه .