الأعصار فإنّ الناس كلَّهم قد هجروا هذه العلوم واشتغلوا بالتوسّط بين الخلق في الخصومات الثائرة من اتّباع الشهوات وقالوا : هذا هو الفقه وأخرجوا هذا العلم الَّذي هو فقه الدّين من جملة العلوم وتجرّدوا لفقه الدّنيا الَّذي ما قصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب ليتفرّغ لفقه الدّين وكان فقه الدّنيا من الدّين بواسطة هذا الفقه وفي الخبر « أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتثبّت » ( 1 ) فمن لم يتوقّف عند الاشتباه كان متّبعا لهواه معجبا برأيه . وكان ممّن وصفه النبيّ عليه السّلام إذ قال : « فإذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك » ( 2 ) وكلّ من خاض في شبهة بغير تحقيق فقد خالف قوله تعالى : « ولا تقف ما ليس لك به علم » ( 3 ) وقوله عليه السّلام : « إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث » ( 4 ) وأراد به ظنّا بغير دليل كما يستفتي بعض العوام قلبه فيما أشكل عليه ويتّبع ظنّه ولصعوبة هذا الأمر وعظمه كان دعاء بعض الصحابة « اللَّهمّ أرني الحقّ حقّا وارزقني اتّباعه ، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه ولا تجعله متشابها عليّ فأتّبع الهوى » وقال عيسى عليه السّلام : « الأمور ثلاثة أمر استبان لك رشده فاتّبعه وأمر استبان غيّة فاجتنبه وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه » ( 5 ) . وقد كان من دعاء النبيّ عليه السّلام « اللَّهمّ إنّي أعوذ بك من أن أقول في الدّين بغير علم » ( 6 ) فأعظم نعمة اللَّه على عباده هو العلم وكشف الحقّ والإيمان عبارة عن نوع كشف وعلم ولذلك قال تعالى امتنانا على عبده : « وكان فضل اللَّه عليك عظيما » ( 7 ) وأراد به العلم وقال تعالى : « فاسئلوا أهل الذِّكر إن كنتم لا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 161
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦١
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجده .
( 2 ) قد تقدم .
( 3 ) الاسراء : 36 .
( 4 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 577 والترمذي من حديث أبي هريرة . وقد تقدم .
( 5 ) أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس باسناد ضعيف ورواه الصدوق في الخصال أبواب الثلاثة من حديث الصادق عليه السّلام عن النبي صلى اللَّه عليه وآله .
( 6 ) قال العراقي : لم أجده .
( 7 ) النساء : 112 .