الدّرجة الأولى مراقبة المقرّبين من الصدّيقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متّسع للالتفات إلى الغير أصلا ، وهذه مراقبة لا نطوّل النظر في تفصيل أعمالها فإنّها مقصورة على القلب ، أمّا الجوارح فإنّها تتعطَّل عن التلفّت إلى المباحات فضلا عن المحظورات فإذا تحرّكت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبّر وتثبّت في حفظها على سنن السداد بل تشتدّ الرّغبة بسداد الرّاعي فإذا صار مستوفى بالمعبود صار الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلَّف وهذا هو الَّذي صار همّه همّا واحدا وكفاه اللَّه تعالى سائر الهموم ومن نال هذه الدّرجة فقد يغفل عن الخلق حتّى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح عينيه ولا يسمع ما يقال له مع أنّه لا صمم به وقد يمرّ على ابنه مثلا فلا يكلَّمه حتّى كان بعضهم يجري عليه ذلك فقال لمن عاتبه : إذا مررت بي فحرّكني ، ولا تستبعد هذا فإنّك تجد نظير هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض حتّى أنّ خدم الملوك قد لا يحسّون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدّة استغراقهم بهم ، بل قد يشتغل القلب بمهمّ حقير من مهمّات الدّنيا فيغوص الرّجل في الفكر فيه ويمشي فربّما يخطي الموضع الَّذي قصده وينسى الشغل الَّذي نهض له ، وحكي عن بعضهم أنّه قال : مررت بجماعة يتراقبون [ 1 ] وواحد جالس بعيدا منهم فتقدّمت إليه فأردت أن أكلَّمه فقال : ذكر اللَّه أشهى لقلبي ، فقلت : إنّك وحدك ؟ فقال : ما أنا وحدي معي ربّي وملكاي ، فقلت :
من سبق من هؤلاء ؟ فقال : من غفر اللَّه له ، فقلت : أين الطريق ؟ فأشار نحو السماء وقام ومشى ، وقال : أكثر خلقك شاغل عنك . فهذا كلام مستغرق بمشاهدة اللَّه تعالى لا يتكلَّم إلا معه ولا يسمع إلا منه فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانه وجوارحه فإنّها لا تتحرّك إلا بما هو فيه ، وقيل : عليك بصحبة من يذكَّرك اللَّه رؤيته ويقع هيبته على قلبك ويعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله . فهذه درجة المراقبين الَّذين غلب على قلوبهم الاجلال والتعظيم فلم يبق فيهم متّسع لغير ذلك .
الدّرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب يقين اطَّلاع اللَّه
هامش
[ 1 ] في الاحياء « يترامون » .