عليها ويقدر على الاستكثار منها ويرتّب لها تفصيلها وكيفيّتها وكيفيّة الاستعداد لها بأسبابها ، وهذه شروط يفتقر إليها كلّ يوم ولكن إذا تعوّد الإنسان بأن شرط ذلك على نفسه أيّاما وطاوعته نفسه في الوفاء بحقّها استغنى عن المشارطة فيها وإن أطاع في بعضها بقيت الحاجة إلى تجديد المشارطة فيما بقي ولكن لا يخلو كلّ يوم من مهمّ جديد وواقعة حادثة لها حكم جديد وللَّه عليه فيه حقّ ويكثر هذا على من يشتغل بشيء من أعمال الدّنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس إذ قلَّما يخلو يوم عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حقّ اللَّه فيها فعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة عليها والانقياد للحقّ في مجاريها ويحذّرها مغبّة الإهمال ويعظها كما يوعظ العبد المتمرّد الآبق ، فإنّ النفس بالطبع متمرّدة عن الطاعات مستعصية عن العبوديّة ولكن الوعظ والتأديب يؤثّر فيها « وذكَّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين » فهذا وما يجري مجراه هو أوّل مقام المرابطة مع النفس وهي المحاسبة قبل العمل ، والمحاسبة تارة تكون قبله للتحذير قال اللَّه تعالى : « واعلموا أنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه » ( 1 ) وهذا للمستقبل وكلّ نظر في كمّيّة ومقدار لمعرفة زيادة ونقصان فإنّه يسمّى محاسبة ، فانظر فيما بين العبد والرّبّ في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة وقد قال تعالى : « يا أيّها الَّذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا » ( 2 ) وقال تعالى : « يا أيّها الَّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا » ( 3 ) وقال تعالى : « ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه » ( 4 ) ذكر ذلك تنبيها وتحذيرا للاحتراز منه في المستقبل . وروى عبادة بن الصامت أنّه عليه السّلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه : « إذا أردت أمرا فتدبّر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه وإن كان غيّا فانته عنه » ( 5 ) .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 154
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥٤
هامش
( 1 ) البقرة : 235 .
( 2 ) النساء : 93 .
( 3 ) الحجرات : 6 .
( 4 ) ق : 16 .
( 5 ) رواه ابن المبارك في الزهد عن أبي جعفر بن مسور الهاشمي مرسلا بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .