تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وحكي أنّ زليخا لما خلت بيوسف فقامت فغطَّت وجه صنمها فقال يوسف : مالك أتستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الملك الجبّار ؟ وحكي عن بعض الأحداث أنّه راود جارية عن نفسها ليلا فقالت : ألا تستحي ؟ فقال : ممّن أستحي وما يرانا إلا الكواكب ، فقالت : وأين مكوكبها ؟ وقال رجل للجنيد بم أستعين على غضّ البصر قال : بعلمك أنّ نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه . وقال الجنيد : إنّما يتحقّق بالمراقبة من يخاف على فوت حظَّه من ربّه عزّ وجلّ . وقيل : وفي الحديث القدسيّ : إنّما يسكن جنّات عدن الَّذين إذا همّوا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني ، والَّذين انحنت أصلابهم من خشيتي ، وعزّتي وجلالي إنّي لأهمّ بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب . ويروى أنّ اللَّه عزّ وجلّ قال للملائكة : أنتم موكَّلون بالظواهر وأنا رقيب على البواطن . * ( بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها ) * اعلم أنّ حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرّقيب وانصراف الهمّ إليه فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال : إنّه راقب فلانا وراعى جانبه ، ونعني بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب أمّا الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغاله به والتفاته إليه وملاحظته إيّاه وانصرافه إليه ، وأمّا المعرفة الَّتي تثمر هذه الحالة فهي العلم بأنّ اللَّه مطَّلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كلّ نفس بما كسبت وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشدّ من ذلك فهذه المعرفة إذا صارت يقينا يعني أنّها إذا خلت عن الشكّ ، ثمّ استولت بعد ذلك على القلب وقهرته فربّ علم لا شكّ فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت فإذا استولت على القلب استجرّت القلب إلى مراعاة جانب الرّقيب وصرف الهمّة إليه والموقنون بهذه المعرفة هم المقرّبون وهم ينقسمون إلى الصدّيقين وإلى أصحاب اليمين ومراقبتهم على درجتين .